أفضل نسخة لصحيح البخاري: الطبعة الأميرية ببولاق وتسمى السلطانية نسبة إلى السلطان عبدالحميد الثاني الذي أمر بطبعها عام 1311هـ
المزيد
القائمة البريدية
الوقت المستغرق في البحث (بالثانية):
شرح العقيدة الواسطية
المقدمة
مقدمة الطبعة الرابعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمَّدٍ، عبدِ الله ورسوله، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه هي الطبعة الرابعة من كتاب ((شرح العقيدة الواسطيَّة)) للعلاَّمة محمد خليل هرَّاس، ويليه ((ملحق الواسطيَّة))، حيث تمتاز عن سابقتها بما يلي:
مراجعة ضبط النَّص والتحقيق والتخريج.
إضافات في هوامش التعليق وبخاصة على الفرق الضالة.
إضافات في مسائل الإيمان والكفر وعلامات الإرجاء والغلو.
التشريع العام وعلاقته بمسألة الحكم بغير ما أنزل الله.
وضع نص المتن كاملاً مضبوطاً بالشكل في بداية الكتاب.
وضع ملخص لمتن العقيدة في صفحتين آخر الكتاب.
وضع فهرس للمفردات.
هذا وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتقبله خالصاً لوجهه الكريم.
أبو محمد
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
aasaggaf@hotmail.com
المقـدمة
إنَّ الحمد لله؛ نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ لـه، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبده ورسوله.
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّد (، وشر الأمور محدثَاتُها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
ثمَّ إنَّ من نعم الله على هذه الأمة أن أكمل لها دينها، وأتمَّ عليها نعمته، ورضي لها الإسلام دينًا.
وإنَّ رسول الله ( ما قُبِضَ إلا وقد تركها على المحجَّةِ البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وما ترك خيرًا يقرِّبها إلى الجنة ويُبْعِدها عن النار؛ إلا ودلَّها عليه، ولا شرًّا إلا وحذرها منه؛ ليَهْلِكَ من هلك عن بيِّنَةٍ ويَحْيَا من حَيَّ عن بيِّنة.
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن نرجعَ عند الاختلاف ونتحاكَمَ عند النزاع إليه وإلى رسوله ( فقال عزَّ من قائل:
وعلى هذا النَّهج سار سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومَن سلك نهجَهم وخطى خطاهُم.
أهميَّة العقيدة السلفية بين العقائد الأخرى:
إن أهمية دراسة العقيدة السلفيَّة تنبع من أهمية العقيدة نفسها، وضرورة العمل الجاد الدّؤوب لإعادة الناس إليها، وذلك لأمور:
أولاً: أنه بها تتوحَّد صفوف المسلمين والدُّعاة، وعليها تجتمع كلمتهم، وبدونها تتفكَّك؛ ذلك أنها عقيدة الكتاب والسنة والجيل الأول من الصحابة، وكل تجمُّع على غيرها مصيره الفشل والتفكُّك.
ثانيًا: أن العقيدة السلفية تجعل المسلم يعظِّم نصوص الكتاب والسنة، وتعْصِمُه من ردِّ معانيها، أو التّلاعب في تفسيرها بما يوافق الهوى.
ثالثًا: أنها تربط المسلم بالسَّلف من الصحابة ومَن تبعهم، فتزيده عزَّة وإيمانًا وافتخارًا، فهم سادةُ الأولياء، وأئمَّة الأتقياء، والأمر كما قال ابن مسعود رضي الله عنه:
((إن الله نظرَ في قلوب العباد، فوجَد قلبَ محمّدٍ ( خيرَ قلوب العباد، فاصطفاهُ لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد (، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه، يقاتِلون على دينه، فما رَأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، وما رأوْهُ سيِّئًا فهو عند الله سيئ))().
أو كما رُوِيَ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
((مَن كان مستنًّا؛ فليستنَّ بمَن قد مات، أولئك أصحاب محمّد (؛ كانوا خيرَ هذه الأمة؛ أبرَّها قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه (، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد ( كانوا على الهدى المستقيم، والله ربِّ الكعبة))().
رابعًا: تميُّزُهَا بالوضوح؛ حيث إنها تتَّخذ الكتاب والسنة منطلقًا في التصوُّر والفهم، بعيدًا عن التأْويل والتعطيل والتَّشْبيه، وتنجي المتمسِّك بها من هَلَكةِ الخوض في ذات الله، وردِّ نصوص كتاب الله وسنَّة نبيِّه (، ومن ثَمَّ تكسب صاحبها الرِّضا والاطمئنان لقدر الله، وتقدير عِظَمِ الله، ولا تكلِّف العقل التَّفكير فيما لا طاقة له به من الغيبيَّات؛ فالعقيدة السلفيَّة سهلةٌ ميسَّرة، بعيدة عن التّعقيد والتّعجيز.
أهميَّة ((العقيدة الواسطية)) بين العقائد السّلفيّة:
إن ((العقيدة الواسطية)) لشيخ الإسلام ابن تيميّة من أكثر العقائد السلفية سهولة ويسرًا، مع وضوحٍ في العبارة، وصحَّةٍ في الاستدلال، واختصارٍ في الكلمات, وقد وُضِعَ لها القَبول في الأرض، فتلقَّفها طلاب العلم ودرسوها وتدارَسوها ثم درَّسوها، وحفظوها جيلاً بعد جيل، وهي بحقٍّ من أجمع وأخصر ما كُتِب في عقيدة أهل السنة والجماعة.
أما لماذا سُمِّيَت بـ((العقيدة الواسطية))؟ فهذا سؤال يجيب عليه مؤلِّفها وواضعها شيخ الإسلام رحمه الله، فيقول:
((قدم عليَّ من أرض واسطٍ بعض قضاة نواحيها ـ شيخٌ يقال لـه: رضي الدين الواسطي، من أصحاب الشافعي ـ، قدِم علينا حاجًّا، وكان من أهل الخير والدِّين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التَّتر؛ من غلبة الجهل والظلم، ودُروس() الدِّين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدةً له ولأهل بيته، فاستعفيتُ من ذلك، وقلتُ: قد كتب الناس عقائد متعدِّدة، فخذ بعض عقائد أئمة السُّنّة. فألحَّ في السؤال، وقال: ما أحبُّ إلا عقيدة تكتبها أنت. فكتبت لـه هذه العقيدة وأنا قاعدٌ بعد العصر، وقد انتشرت بها نسخٌ كثيرة؛ في مصر والعراق، وغيرِهما))().
ومن توفيق الله وقدره أن كان هذا الرجل من واسط، فسميت العقيدة الواسطية.
وهي ـ أيضًا ـ كما قال شيخ الإسلام في أولها: ((بل هم ـ يعني: أهل السنة والجماعة ـ وسطٌ في فرق الأمة؛ كما أن الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسطٌ في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التّعطيل الجهميّة وأهل التّمثيل المشبّهة، وهم وسطٌ في باب أفعال الله بين الجبريّة والقَدَريّة وغيرهم.. إلخ))؛ فهي ـ إذن ـ واسطيّة وسطيّة.
أهميّة شرح الشيخ هرّاس لـ((العقيدة الواسطيّة))بين شروحها:
يمتاز شرح العلاّمة محمّد خليل هرَّاس لـ((العقيدة الواسطية))بالوضوح والاختصار، وكما قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي: إنه:
فالشيخ رحمه الله لم يترك كلمة في العقيدة إلا وشرحها ووضَّحها ـ في الغالب الأعم ـ، واستشهد في مواضع كثيرة بالقرآن الكريم، وبأحاديث المصطفى (، وبأقوال الصحابة والمفسرين، وبأقوال السلف؛ كالإمام أحمد، والبخاري، ونُعَيْم بن حماد.. وغيرهم ممَّن جاء بعدهم واقتفى أثرهم؛ كشيخ الإسلام في مواضع أخرى من كتبه، وتلميذيه ابن القيّم والذهبي، وبالمتأخرين؛ كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ومحمد بن مانع؛ كما أنه ذكر مقالات الفرق، وردّ على شبههم؛ كالجهميّة، والقدريّة، والجبريّة، والمعتزلة، والأشاعرة.. وغيرهم، وبيَّن ضلال أئمتهم في القديم؛ كغيلان الدمشقي، وبشر المَريسي.. وغيرهما، ثم مَن بعدهما؛ كالرازي, والغزالي، ثم رافع راية التجهُّم في عصرنا هذا المدعو زاهد الكوثري، كل ذلك في هذا الشرح الصغير، السهل الميسَّر.
فحُقَّ لهذا الشرح أن يكون من أنفس الشروح، وأخصرها، ولا يعرف حقيقة ذلك إلا من طالعه، ودرسه، وتدارسه، واطَّلع على غيره من الشروح.
((العقيدة الواسطيَّة)) وشروحها:
للعقيدة الواسطية ـ عقيدة الفرقة الناجية ـ طبعات عدَّة، وشروح كثيرة، فمن ذلك مثلاً:
1- (( التنبيهات اللطيفة فيما احتـوت عليـه الواسـطية من المبـاحث المنيفـة )):
تأليف العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وعليها منتخبات من تقارير الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وقد قام بنشرها أولاً وأشرف على طبعها الأستاذان: عبد الرحمن بن رويشد، وسليمان بن حماد، وقد طبعت في (64 صفحة) من الحجم المتوسط، بدون تاريخ.
ثم طبعت طبعة أخرى مضبوطة النص والأحاديث، ونُشِرَت بدار ابن القيم بالدمّام، وعدد صفحاتها (107 صفحة) من القطع الكبير، وذلك في عام (1410 هـ).
2- ((العقيدة الواسطية)):
علَّق على حواشيها وأشرف على تصحيحها فضيلة العلاّمة محمد بن عبدالعزيز بن مانع؛ مدير المعارف العام سابقًا؛ وهو تعليق مختصر جدًا، بلغت صفحاته (32 صفحة) من الحجم المتوسط، وطُبعت الطبعة الأولى في مطبوعات سعد الراشد بالرياض، بدون تاريخ.
3- ((شرح العقيدة الواسطية)):
للعلاَّمة محمد خليل هرَّاس ـ وهو كتابنا هذا ـ وراجعه الشيخ عبدالرزاق عفيفي، طُبع في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في (176 صفحة) من الحجم الصغير، ثم طُبع مرة أخرى طبعةً قام بتصحيحها والتعليق عليها الشيخ إسماعيل الأنصاري، وقامت بنشرها الرئاسة العامَّة لإدارات البحوث العلميَّة والإفتاء والدعوة والإرشاد في (187 صفحة) من الحجم الصغير، وذلك عام (1403هـ)، وهي لا تختلف عن سابقتها كثيرًا؛ إلا في مواضع يسيرة، علَّق عليها الشيخ إسماعيل الأنصاري.
4- ((التَّنبيهات السنيَّة على العقيدة الواسطية)):
للشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد، رئيس محكمة التمييز بالرياض، وهو شرحٌ موسَّع، يقع في (388 صفحة) من الحجم الكبير، كتبه نزولاً على رغبة طلبته في المعهد العلمي، وقام بنشره دار الرشيد للنشر والتوزيع؛ بدون تاريخ.
5- ((الكواشف الجليَّة عن معاني الواسطية)):
للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان، المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض (سابقًا)، وهو شرحٌ كبير، يقع في (471 صفحة)، وقد طُبع عدة طبعات، وُزِّعَت مجانًا، آخرها الطبعة السابعة عشرة عام (1410هـ)، وتقع في (807 صفحة).
6- ((الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية)):
له أيضًا، وهو على طريقة السؤال والجواب، ويقع في (340 صفحة) من الحجم الكبير، ووزِّع مجانًا مراتٍ عديدة على نفقة بعض المحسنين، وقد اختصره المؤلف نفسه.
7- ((شرح العقيدة الواسطية)):
للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، مدير المعهد العالي للقضاء بالرياض، وهو شرحٌ مُيسَّرٌ ومختصرٌ؛ يقع في (222 صفحة)، اعتمد فيه مؤلِّفه على ((التَّنبيهات السَّنيَِّة)) للشيخ عبد العزيز الرشيد، و((الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية)) للشيخ زيد بن عبد العزيز بن فيّاض، وقد طُبِعَ في مكتبة المعارف بالرياض عدة طبعات.
8- ((العقيدة الواسطية)):
للعلاّمة محمد بن صالح العثيمين، وهو شرح مختصرٌ لبعض الكلمات صغيرٌ جـدًّا ، وتعريفٌ لبعض المصطلحـات الواردة في الكتاب ، ويقع في (55صفحة) من الحجم المتوسط، وقد طُبع الطبعة الأولى عام (1406هـ) في مكتبة الهدى بمدينة الثقبة في المنطقة الشرقية.
((التعليقات المفيدة على العقيدة الواسطية)):
تعليق وتخريج عبد الله بن عبد الرحمن بن علي الشريف، وهو أحسن ما رأيت في ضبط متن العقيدة، مع إحالة آياتها وتخريج أحاديثها تخريجًا مختصرًا، وبعض التعليقات المختصرة المفيدة؛ كما سمّاها صاحبها، ويقع في (89 صفحة) من الحجم المتوسِّط، وكانت الطبعة الأولى منه في عام (1404هـ) بدار طيبة بالرياض.
10- ((العقيدة الواسطية ومجلس المناظرة فيها بين شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء عصره)):
تحقيق الأستاذ/ زهير الشاويش، وهو تحقيقٌ للمتن فقط، وقد اعتمد ـ كما يقول ـ على مخطوطة عنده، وكان إخراجه لها إخراجًا جيِّدًا؛ أحال فيه الآيات إلى مواضعها من القرآن الكريم، وخرَّج الأحاديث تخريجًا مختصرًا جدًا، ثم أعقب ذلك بذكر المناظرة التي جرت بين شيخ الإسلام وخصومه بسبب هذه العقيـدة ، وقد بلغ عدد صفحات المتن مع المناظرة (100 صفحة) من القطع المتوسـط ، وقد طبعها في مكتبه الإسلامي عام (1405هـ).
11- ((شرح العقيدة الواسطية)):
للشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني، راجعه له الشيخ الدكتور عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين، وهو شرح مختصر وسهلٌ وميسَّر، يقع في (87 صفحة) من الحجم الصغير، اعتمد فيها صاحبه على من سبقه ممّن ذكرناهم، وقد طُبع عام (1409 هـ).
12- ((الروضة النديَّة شرح العقيدة الواسطية)):
للشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض، وهو شرح موسع جدًا، طُبعت الطبعة الأولى منه عام (1377هـ)، والطبعة الثانية عام (1378هـ)، وتقع في (516 صفحة).
13- ((شرح الواسطية)):
للشيخ الحجة محمد بن صالح العثيمين، وهو مسجل على أشرطة ((كاسيت))، ثم كتبه أحد تلامذته، وتداوله طلبة العلم، وهو شرح نفيس لا يُعلى عليه().
14- ((التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية)):
للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وهو شرح موسَّع جدًّا، وطبعت الطبعة الأولى منه عام (1419هـ)، وتقع في مجلدين عدد صفحاتهما (618صفحة) بدار الوطن بالرياض، باعتناء الأخ أبي أنس علي بن حسين أبو لوز.
15- ((شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية)):
جمع وترتيب الأخ خالد بن عبد الله المصلح، وهو جمع لطيف لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية يوضح ما اشتملت عليه العقيدة الواسطية، ويقع في (216 صفحة)، طبعت الطبعة الأولى منه عام (1421هـ) بدار ابن الجوزي بالدمام.
????
من هنا نعلم أهميَّة هذه العقيدة؛ حيث قام بعض أهل العلم بضبطها، وآخرون بتخريج أحاديثها، وآخرون بالتعليق عليها، أو شرحها شرحًا مختصرًا، أو شرحًا مطوَّلاً؛ كل هذا خدمة للعقيدة السلفيّة المتمثّلة في ((العقيدة الواسطية)).
إلا أنني لم أجد من قام بخدمة شرحها الذي ألّفه الشيخ الهرّاس رحمه الله؛ إلا ما قام به الشيخان؛ عبد الرزاق عفيفي، وإسماعيل الأنصاري (رحمهما الله) من مراجعة وتعليقات قصيرة.
لذلك؛ فإنني رغبت في أن أحظى بشرف الاعتناء بهذا الشرح، وأسأل الله أن يكون عملاً نافعًا متقبلاً عنده.
وصف النسخة الخطيّة للمتن:
توجد هذه النسخة في برلين الغربية.
وهناك صورة منها في مركز المخطوطات والتراث والوثائق بجمعيّة إحياء التراث الإسلامي بالكويت برقم (2/12147ـ عقيدة)، وقد قام المركز بإرسالها لي مشكورًا.
وعدد أوراق هذه النسخة (11) ورقة، ومقاسها (10.5×18.5) سم، وأسطرها (23) سطرًا.
وقد كُتِبت بخط نسخ جيد وواضح داخل إطارات، واستمر الخط ـ الذي لا يُعْلَم ناسخُه، ولا متى نُسِخَ ـ من أول الكتاب إلى آخره.
وهذه النسخة ـ رغم جودة خطها ـ كثيرة السقطات والأغلاط، حتى في الآيات، ولذلك ما استطعت أن أجعلها أصلاً ـ كما هو المعتاد عند التحقيق ـ، بل جعلت النص المطبوع مع الشرح هو الأصل()؛ لأن الشرح تابعٌ له متمشٍّ معه، وَجعلتُ هذه النسخة كالمرجِّح بين الطبعات عند اختلافها، وخاصةً الاختلاف الواقع بين الطبعة التي جعلتُها أصلاً والطبعة التي هي ضمن مجموع الفتاوى، فاكتفيتُ بالإشارة إلى الاختلافات المهمة التي قد يتغيَّر بها المعنى، وأعرضت عن كثير من الاختلافات التي لا جدوى من ذكرها، وقد يشوِّش إيرادها على القارئ.
??????
عملي في الكتاب:
1- ضبطتُ نص المتن ضبطًا متقنًا من خلال الطبعات الكثيرة لـه المستقلة والمقرونة ببعض التعليقات أو الشروح آنفة الذكر، وقابلته بالمخطوط؛ كما جعلتـه مجموعًا في أول الكتاب وضبطتُـه بالشكل حتى تسهُل قراءتُه وحفظه، ثم متفرقًا حسب الشرح، ثم لخصته في صفحتين آخر الكتاب.
2- تتبّعت الاختلاف في نصّ الشرح ـ وهو قليل جدًا ـ بين طبعتي الجامعة الإسلامية والإفتاء، وبيّنت ذلك في مواضعه.
3- ضبطتُ الألفاظ المُشكلة والموهمة في الشرح بالشكل؛ ليسهل على القارئ فهمها.
4- ضبطتُ الآيات، وعزوتُها إلى مواضعها من القرآن الكريم.
5- خرَّجتُ جميع الأحاديث والآثار.
وطريقتي في التخريج هي:
- أبدأ بالحكم على الحديث من حيث الصحة والضعف، وأجعله بين قوسين.
- ثم أذكر من خرَّجه؛ مبتدئًا بالبخاري ومسلم، ثم بقية الستة، ثم أحمد في ((المسند))أو مالك في ((الموطأ))، ثم غيرهم؛ كالبيهقي، أو الحاكم.. أو غيرهما، وقد أكتفي أحيانًا بذكر موضعه في ثلاثة كتب أو أربعة؛ مبتدئًا بالترتيب السابق؛ إلا ما ندر.
- وإذا كان الحديث موجودًا في الكتب الستة أو بعضها؛ فأشير إلى موضعه بذكر الكتاب والباب؛ لاختلاف الطبعات، وبذكر موضعه في أماكن شروحه، فإن كان في البخاري؛ فإنني أذكر موضعه في ((الفتح))(الطبعة السلفية)، وإن كان في مسلم؛ ففي ((شرح النووي))، وإن كان في الترمذي؛ ففي ((تحفة الأحوذي))، وإن كان في أبي داود؛ ففي ((عون المعبود))، وإن كان في النسائي؛ ففي النسخة التي حقَّقها أبو غدة وعليها شرح السيوطي وحاشية السندي، وإن كان في ابن ماجة؛ فنسخة عبد الباقي، وإن كان في ((المسند))؛ ففي ((الفتح الرباني))، وقد أكتفي بموضعين أو ثلاثة.
- أما بالنسبة للحكم على الحديث؛ فإن كان في البخاري ومسلم أو أحدهما؛ فأكتفي بالعزو إليهما، وإن كان في غيرهما؛ أذكر من صحَّح الحديث أو ضعَّفه من أئمة هذا الفن؛ كالذهبي، وابن حجر، والألباني، أو غيرهم أحيانًا؛ كالأرناؤوط مثلاً. وقد أضطر أحيانًا إلى الكلام على السند بما تقتضيه الصناعة الحديثية، وهذا قليل جدًّا.
6- أحلتُ أغلب الأقوال التي نسبها الشارح لأصحابها إلى مواضعها من كتبهم أو كتب غيرهم.
7- ترجمتُ لأهم الأعلام الذين ورد ذكرهم ولم أترجِم للمعروفين المشهورين؛ كالصحابة، وبعض التابعين والمتأخرين.
8- عرَّفتُ بجميع الفرق التي ورد ذكرها في المتن أو الشرح؛ كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة.. وغيرهم.
9- شرحتُ بعض الكلمات الغريبة؛ ككلمة: (الدستور)، و(المِلِّي)، وغيرها مما هو قليل جدًا.
10- علَّقتُ تعليقات قليلة رأيت أنها ضرورية.
11- أبقيتُ النَّص كما هو؛ سواء المتن أم الشرح؛ إلا في مواضع قليلة جدًا سببها أخطاء مطبعية في النسخ السابقة.
12- وضعت عناوين لبعض الفقرات، وذلك تيسيرًا على القارئ، وجعلتها خارج النص في أطراف الصفحات حتى لا أدخل على النص شيئًا من عندي.
13- وتخلُّصًا من مشكلة عدم تطابق مواضع الشرح والمتن في الطبعات السابقة للكتاب؛ فقد قسَّمتُ متن العقيدة إلى أقسام متعددة؛ كل قسم منها هو فكرة كاملة في حد ذاته، ثم جعلتُ شرحه بعده مباشرة مسبوقًا بحرف /ش/، وجعلت حرفَ كلٍّ منهما مختلفًا عن حرف الآخر، حتى يستطيع القارئ أن يتابع شرح كل قسم من أقسام المتن بسهولة ويسرٍ ومطابقة تامَّةً.
14- ترجمتُ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ترجمة موجزة.
15- ترجمتُ للشارح العلاَّمة محمد خليل هرَّاس ترجمة موجزة جدًا.
16- قمتُ بعمل بعض الفهارس الفنيَّة، وهي كالتالي:
فهرس للآيات حسب موضعها في القرآن الكريم.
فهرس للأحاديث والآثار على حروف المعجم.
فهرس للفرق.
فهرس للأعلام المترجَم لهم.
فهرس للمفردات.
فهرس للمصادر والمراجع.
فهرس للموضوعات.
هذا؛ وأسأل الله العلي الكريم ربَّ العرش العظيم أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي يوم القيامة، وأن ينفع به إخواني طلبة العلم والمسلمين، وهو جهدُ المقل، ((فليُمْعِن الناظرُ فيه النظر، وليوسع العذر؛ إن اللبيب من عَذَر، ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه))().
والله أعلم، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
ترجمة موجزة للشيخ محمد خليل هرَّاس()
- هو العلاَّمة، السلفيُّ، المحقِّق، محمد خليل هرَّاس.
- من محافظة الغربيَّة بجمهورية مصر العربية.
- ولد بطنطا عام (1916م)، وتخرَّج من الأزهر في الأربعينات من كلية أصول الدين، وحاز على الشهادة العالمية العالية (الدكتوراه) في التوحيد والمنطق.
- عمل أستاذًا بكلِّيَّة أصول الدين في جامعة الأزهر.
- أُعير إلى المملكة العربية السعودية، ودرَّس في جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية بالرياض، ثمّ أُعير مرَّةً أخرى، وأصبح رئيسًا لشعبة العقيدة في قسم الدِّراسات العليا في (كلية الشريعة سابقًا / جامعة أم القرى حاليًا) بمكة المكرمة.
- عاد إلى مصر، وشغل منصب نائب الرئيس العام لجماعة أنصار السنة النبوية، ثم الرئيس العام لها بالقاهرة.
- وفي عام (1973م) ـ قبل وفاته بسنتين ـ اشترك مع الدكتور عبد الفتاح سلامة في تأسيس جماعة الدعوة الإسلامية في محافظة الغربية، وكان أول رئيس لها.
- توفي رحمه الله تعالى عام (1975م) عن عُمر يناهز الستين.
- كان رحمه الله سلفي المعتقد، شديدًا في الحقّ، قويّ الحجّة والبيان، أفنى حياته في التعليم والتأليف ونشر السنة وعقيدة أهل السنة والجماعة.
- له مؤلفات عدة؛ منها:
1- تحقيق كتاب ((المغني)) لابن قدامة، وقد طُبع لأول مرة في مطبعة الإمام بمصر.
2- تحقيق وتعليق على كتاب ((التوحيد)) لابن خزيمة.
3- تحقيق وتعليق على كتاب ((الأموال)) لأبي عُبيد القاسم بن سلام.
4- تحقيق ونقد كتاب ((الخصائص الكبرى)) للسيوطي.
5- تحقيق وتعليق على كتاب ((السيرة النبوية)) لابن هشام.
6- شرح ((القصيدة النونية)) لابن القيم في مجلّدين.
7- تأليف كتاب ((ابن تيمية ونقده لمسالك المتكلمين في مسائل الإلهيات)).
8- شرح ((العقيدة الواسطية)) لابن تيمية, وهو كتابنا هذا.
??????
الشرح
مقدمة الشـارح
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمَّد، عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فلما كانت ((العقيدة الواسطية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أجمع ما كُتِبَ في عقيدة أهل السنة والجماعة، مع اختصارٍ في اللفظة، ودقَّة في العبارة، وكانت تحتاج في كثير من مواضعها إلى شرح يجلِّي غوامضها، ويزيح الستار عن مكنون جواهرها، ويكون مع ذلك شرحًا بعيدًا عن الإسهاب والتطويل والإملال بكثرة النُّقول، حتى يلائم مدارك الناشئين، ويعطيهم زبدة الموضوع في سهولة ويسر؛ فقد استخرتُ الله تبارك وتعالى، وأقدمتُ على هذا العمل؛ رغم كثرة الشواغل، وزحمة الصوارف؛ سائلاً الله عز وجل أن ينفع به كل من قرأه، وأن يجعله خالصًا لوجهه؛ إنه قريبٌ مجيبٌ.
محمد خليل هرّاس
??????
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
/ش/ اختلف العلماء في البسملة؛ هل هي آية من كل سورة افتُتِحت بها؟ أو هي آية مستقلة أُنزلت للفصل بها بين السور وللتبرُّك بالابتداء بها()؟
والمختار: القول الثاني.
واتَّفقوا على أنها جزء آية من سورة النمل، وعلى تركها في أول سورة براءة؛ لأنها جُعِلَت هي والأنفال كسورة واحدة.
والباء في ((بسم)) للاستعانة، وهي متعلقة بمحذوف، قدَّره بعضهم فعلاً، وقدَّره بعضهم اسمًا، والقولان متقاربان، وبكلٍّ ورد في القرآن؛ قال تعالى:
ويحسن جعل المقدَّر متأخرًا؛ ((لأن الاسم أحق بالتقديم، ولأن تقديم الجار والمجرور يفيد اختصاص الاسم الكريم بكونه متَبرَّكًا به، والاسم هو اللفظ الموضوع لمعنى تعيينًا له أو تمييزًا)).
واختُلِفَ في أصل اشتقاقه، فقيل: إنه من السمة؛ بمعنى: العلامة. وقيل: من السمو. وهو المختار.
وهمزته همزة وصل.
وليس الاسم نفس المسمَّى؛ كما زعم بعضهم، فإن الاسم هو اللفظ الدَّالُّ، والمسمَّى هو المعنى المدلول عليه بذلك الاسم.
وليس هو كذلك نفس التسمية؛ فإنها فعل المسمِّي؛ يقال: سميتُ ولدي محمدًا؛ مثلاً.
وقول بعضهم: إن لفظ الاسم هنا مُقْحَمٌ؛ لأن الاستعانة إنما تكون بالله عزَّ وجلَّ لا باسمه. ليس بشيء؛ لأن المراد ذكر الاسم الكريم باللسان؛ كما في قوله:
( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (().
أي: سبِّحْهُ ناطقًا باسم ربك، متكلِّمًا به، فالمراد التبرُّك بالابتداء بذكر اسمه تعالى.
واسم الجلالة؛ قيل: إنه اسم جامدٌ غير مشتقٍّ؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يُشْتَقُّ منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادَّة له، فهو كسائر الأعلام المَحْضَة، التي لا تتضمَّن صفاتٍ تقوم بمسمَّياتِها.
والصحيح أنه مشتقٌّ.
واختُلِفَ في مبدأ اشتقاقه، فقيل: من أَلَهَ يَأْلَهُ أُلوهَةً وإِلاهَةً وأُلوهِيةً؛ بمعنى: عبدَ عِبَادةً.
والصحيح الأوَّل، فهو إلهٌ؛ بمعنى مأْلوهٍ؛ أي: معبود. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهُما:
((اللهُ ذُو الإلهيةِ والعُبوديةُ على خلقه أجمعين))().
وعلى القول بالاشتقاق يكون وصفًا في الأصل، ولكن غَلَبَتْ عليه العَلَمِيَّة، فتجري عليه بقية الأسماء أخبارًا وأوصافًا؛ يقال: الله رحمنٌ رحيمٌ سميعٌ عليمٌ؛ كما يقال: الله الرَّحمن الرَّحيم… إلخ.
و((الرحمن الرحيم)): اسمان كريمان من أسمائه الحسنى، دالاَّن على اتِّصافه تعالى بصفة الرحمة، وهي صفة حقيقيَّة له سبحانه، على ما يليق بجلاله، ولا يجوز القول بأن المراد بها لازمها؛ كإرادة الإحسان ونحوه؛ كما يزعم المعطلة، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله.
واختُلِفَ في الجمع بينهما:
فقيل: المراد بـ(الرحمن) الذي وسعت رحمته كل شيء في الدنيا؛ لأن صيغة (فَعْلان) تدلُّ على الامتلاء والكثرة، و(الرحيم) الذي يختصُّ برحمته المؤمنين في الآخرة.
وقيل العكس.
وقد ذهب العلاَّمة ابن القيم رحمه الله إلى أن (الرحمن) دالٌّ على الصفة القائمة بالذات، و(الرحيم) دالٌّ على تعلُّقها بالمرحوم، ولهذا لم يجئ الاسم الرحمن متعدِّيًا في القرآن؛ قال تعالى:
( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (().
ولم يقل: رحمانًا.
وهذا أحسن ما قيل في الفرق بينهما.
وروي عن ابن عباس أنه قال:
((هما اسمان رقيقان؛ أحدهما أرقُّ من الآخر))().
ومنع بعضهم كون (الرحمن) في البسملة نعتًا لاسم الجلالة؛ لأنه عَلَمٌ آخر لا يُطلق على غيره، والأعلام لا يُنْعَتُ بها.
والصحيح أنه نعتٌ له باعتبار ما فيه من معنى الوصفية، فـ(الرحمن) اسمه تعالى ووصفه، ولا تُنافي اسميَّتُهُ وصفيَّتَهُ، فمن حيث هو صفةٌ جرى تابعًا على اسم الله، ومن حيثُ هو اسمٌ ورد في القرآن غير تابع، بل ورود الاسم العلم؛ كقوله تعالى:
( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ( ().
(الحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا).
/ش/ ((الحمد لله)): روي عن النبي ( أنه قال:
((كلُّ كلامٍ لا يُبْدَأُ فيه بحمد الله والصلاة عليَّ؛ فهو أقطع، أبتر، ممحوق البركة))().
وورد مثل ذلك في البسملة.
ولهذا جمع المؤلف بينهما عملاً بالروايتين، ولا تعارُض بينهما؛ فإن الابتداء قسمان: حقيقي وإضافي، والحمد ضدُّ الذَّمِّ. يُقال: حمدتُ الرجل أحْمَدُهُ حمدًا ومَحْمَدًا ومَحْمَدَةً، فهو محمودٌ وحميدٌ.
ويقال: حمَّد الله ـ بالتشديد ـ: أثنى عليه المرة بعد الأخرى، وقال: الحمد لله.
والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياريِّ، نعمةً كانَ أو غيرها؛ يقال:حمدتُ الرجلَ على إنعامه، وحمدتُه على شجاعته.
وأما الشكر؛ فعلى النعمة خاصة، ويكون بالقلب واللسان والجوارح؛ قال الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلاَثَةً
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيْرَ الْمُحَجَّبا
وعلى هذا؛ فبين الحمد والشكر عمومٌ وخصوصٌ من وجه، يجتمعان في الثناء باللسان على النعمة، وينفردُ الحمد في الثناء باللسان على ما ليس بنعمة من الجميل الاختياريِّ، وينفردُ الشكر بالثناء بالقلب والجوارح على خصوص النعمة.
((إن الحمد إخبار عن محاسن المحمود، مع حبه، وتعظيمه، فلا بدَّ فيه من اقتران الإرادة بالخير؛ بخلاف المدح؛ فإنه إخبار مجرَّدٌ))().
ولذلك كان المدحُ أوسَعَ تناولاً؛ لأنه يكون للحيِّ والميِّت وللجماد أيضًا.
و(ال) في الحمد للاستغراق؛ ليتناول كل أفراد الحمد المُحَقَّقَة والمُقَدَّرَة، وقيل: للجنس، ومعناه(): ((أن الحمد الكامل ثابتٌ لله، وهذا يقتضي ثبوتَ كُلِّ ما يُحْمَدُ عليه من صفات كماله ونعوت جماله؛ إذ مَنْ عَدِمَ صِفات الكمال؛ فليس بمحمود على الإطلاق، ولكن غايته [أنه محمودٌ من وجهٍ دون وجهٍ، ولا] () يكون محمودًا من كل وجه وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد؛ إلا مَن حاز صفات الكمال جميعها، [فلو عَدِمَ منها صفة واحدة؛ لنقص من حمده بسببها] ())).
الرسـول في اللغـة هو مَن بُعِثَ بالرسالة ؛ يقال : أرسله بكذا ؛ إذا طلب إليه تأديته وتبليغه . وجمعه : رُسْل ـ بسكون السين ـ ورُسُل ـ بضمها ـ.
وفي لسان الشرع: إنسانٌ، ذكرٌ، حرٌّ، أُوحِيَ إليه بشرعٍ، وأُمِرَ بتبليغه.
فإن أوحِيَ إليه، ولم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبيٌّ.
فكل رسول نبيٌّ، ولا عكس، فقد يكون نبيًّا غير رسول().
والمُراد بالرسول المضاف إلى ضمير الرب هنا مُحمد (.
و((الهدى)) في اللغة: البيان والدلالة؛ كما في قوله تعالى:
والمراد بالهُدى هنا: كلُّ ما جاء به النبيُّ ( من الإخبارات الصادقة، والإيمان الصحيح، والعلم النافع، والعمل الصالح.
والدِّين يأتي لعدة معانٍ:
منها: الجزاء؛ كما في قوله تعالى: ( مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( ().
ومنهُ قولُهم: كَما يَدِينُ الفَتى يُدَانُ().
ومنها: الخضوع والانقياد؛ يقال: دان لـه؛ بمعنى: ذلَّ وخضع، ويقال: دانَ اللهَ بكذا، أو كذا؛ بمعنى اتَّخذه دينًا يعبده به.
والمراد بالدِّين هنا:جميع ما أرسل الله به رسول الله ( من الأحكام والشرائع؛ اعتقادية كانت، أم قولية، أم فعلية.
وإضافته إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: الدين الحق.
والحقُّ: مصدرُ حَقَّ يَحِقُّ إذا ثبت ووجب. فالمراد به: الثابت، الواقع. ويقابله: الباطل الذي لا حقيقة له.
اللام في قولـه: ((ليظهره)) لام التعليل، وهي متعلقة بـ(أرسل)، وهو من الظهور؛ بمعنى: العلوِّ والغلبة؛ أي: ليجعله عاليًا على الأديان كلها بالحجة والبرهان.
و(ال) في ((الدين)) للجنس، فيدخل فيه كل دين باطل، وهو ما عدا الإسلام.
والشهيد: فعيلٌ، وهو مبالغةٌ من شهد، وهو إما من الشهادة؛ بمعنى الإخبار والإعلام، أو من الشهادة؛ بمعنى الحضور. والمعنى: وكَفَى باللهِ شَهِيدًا مخبرًا بصدق رسوله، أو حاضرًا مطَّلِعًا لا يغيب عنه شيءٌ.
والمعنى الإجمالي لما تقدم أن جميع أوصاف الكمال ثابتةٌ لله على أكمل الوجوه وأتمِّها.
ومما يُحْمَدُ عليه سبحانه نعمه على عباده، التي لا يحصي أحدٌ من الخلق عدَّها، وأعظمها إرساله محمدًا ( بالهدى ودين الحق رحمةً للعالمين، وبشرى للمتَّقين؛ ليظهره على جميع الأديان بالحجة والبرهان، والعز والتمكين والسلطان، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسوله، وحقيقة ما جاء به.
وشهادته سبحانه تكون بقوله وفعله وتأييده لرسوله بالنصر والمعجزات والبراهين المتنوِّعة على أن ما جاء به هو الحق المبين.
(وأَشْهَدُ أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ إِقْرَارًا بِهِ وَتَوْحِيدًا).
/ش/ ((الشهادة)): الإخبار بالشيء عن علم به، واعتقاد لصحته وثبوته، ولا تعتبر الشهادة إلا إذا كانت مصحوبة بالإقرار والإذعان, وواطأ القلبُ عليها اللسان؛ فإن الله قد كَذَّب المنافقين في قولهم: ( نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ( ، مع أنهم قالوا بألسنتهم().
و((لا إله إلا الله)): هي كلمة التوحيد، التي اتَّفقت عليها كلمة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ بل هي خلاصة دعواتهم وزبدة رسالاتهم، وما من رسول منهم إلا جعلها مفتتح أمره، وقطب رحاه؛ كما قال نبيُّنا (:
((أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل))().
ودلالة هذه الكلمة على التوحيد باعتبار اشتمالها على النفي والإثبات المقتضي للحصر، وهو أبلغ من الإثبات المجرَّد؛ كقولنا: الله واحد. مثلاً فهي تدلُّ بصدرها على نفي الإلهية عمَّا سوى الله تعالى، وتدلُّ بعجزها على إثبات الإلهية له وحده.
ولا بدَّ فيها من إضمار خبرٍ تقديره: لا معبودَ بحقٍّ - موجودٌ()- إلا الله.
وأما قولـه: ((وحده لا شريك له))؛ فهو تأكيد لما دلَّت عليه كلمة التوحيد.
وقولـه: ((توحيدًا))؛ أي: إخلاصًا لله عز وجل في العبادة، فالمراد به التوحيد الإرادي الطلبي المبني على توحيد المعرفة والإثبات.
(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا).
/ش/ وجعل الشهادة للرسول ( بالرسالة والعبودية مقرونًا بالشهادة لله بالتوحيد؛ للإشارة إلى أنـه لا بد من كلٍّ منهما، فلا تُغني إحداهما عن الأخرى، ولهذا قرن بينهما في الأذان، وفي التشهد.
وقال بعضهم في تفسير قوله تعالى: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (():
((يعني: لا أُذْكَرُ إلاَّ ذُكِرتَ معي))().
وإنما جمع له بين وصفي الرسالة والعبودية؛ لإنهما أعلى ما يوصف به العبد.
والعبادة: هي الحكمة التي خَلَقَ الله الخَلْقَ لأجلها؛ كما قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( ().
فكمال المخلوق في تحقيق تلك الغاية، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية؛ ازداد كماله، وعلت درجته.
ولهذا ذكر الله نبيَّه بلقب العبد في أسمى أحواله وأشرف مقاماته؛ كالإسراء به، وقيامه بالدعوة إلى الله، والإيحاء إليه، والتحدِّي بالذي أُنْزِلَ عليه.
ونبَّه بوصف العبودية أيضًا إلى الرد على أهل الغلوّ الَّذين قد يتجاوزون بالرسول قدره، ويرفعونه إلى مرتبة الألوهية؛ كما يفعل ضلاّل الصوفية قبّحهم الله، وقد صحَّ عنه ( أنه قال:
((لا تطروني كما أطرت النصاري ابن مريم، وإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسوله))().
والمقصود أن هذه الشهادة تتضمن اعتراف العبد بكمال عبوديته ( لربه، وكمال رسالته، وأنه فاق جميعَ البشرِ في كلِّ خصلةٍ كمالُه.
ولا تتم هذه الشهادة حتى يصدقه العبد في كل ما أخبر به، ويطيعه في كل ما أمر به، وينتهي عما نهى عنه.
وأصحُّ ما قيل في صلاة الله على رسوله هو ما ذكره البخاري في ((صحيحه)) عن أبي العالية؛ قال:
((صلاة الله على رسوله: ثناؤه عليه عند الملائكة))().
والمشهور أن الصلاة من الملائكة الاستغفار؛ كما في الحديث الصحيح:
((والملائكة يصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه؛ يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه))().
ومن الآدميين: التضرُّع والدُّعاء.
وآل الشخص هم من يمتُّون إله بصلة وثيقة من قرابة ونحوها.
وآله ( يُراد بهم أحيانًا مَن حَرُمَت عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم وبنو المطَّلب، ويراد بهم أحيانًا كل مَن تبعه على دينه.
وأصل (آل): أهل، أُبْدِلَتِ الهاء همزة، فتوالت همزتان، فقُلِبَتِ الثانية منهما ألفًا، ويصغر على أُهَيل أو أُوَيْل، ولا يستعمل إلا فيما شرف غالبًا، فلا يقال: آل الإسكاف وآل الحجام.
والمراد بالصحب أصحابه (، وهم كل من لقيه حال حياته مؤمنًا، ومات على ذلك.
والسلام : اسم مصدر من سلَّم تسليمًا عليه ؛ بمعنى طلب لـه السلامة من كل مكروه، وهو اسم من أسمائه تعالى، ومعناه: البراءة والخلاص من النقائص والعيوب، أو الذي يسلِّم على عباده المؤمنين في الآخرة.
و((مزيدًا)) صفةٌ لـ(تسليمًا)، وهو اسم مفعول من (زاد) المتعدِّي، والتقدير: مزيدًا فيه.
([أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا اعْتِقَادُ]() الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ: أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ)().
/ش/ ((أما بعد)): كلمة يُؤتَى بها للدِّلالة على الشروع في المقصود، وكان النبي ( يستعملها كثيرًا في خطبه وكتبه، وتقديرها عند النحويِّين: مهما يكن من شيء بعد.
والإشارة بقولـه: ((هذا)) إلى ما تضمَّنه هذا المُؤلَّفُ من العقائد الإيمانية التي أجملها في قوله: ((وهو الإيمان بالله…)).
والاعتقاد: مصدر اعتقد كذا؛ إذا اتَّخَذه عقيدة له؛ بمعنى عقد عليه الضمير والقلب، ودان لله به، وأصله من (عقد الحبل)، ثم استُعْمل في التصميم والاعتقاد الجازم.
((الفرقة)) ـ بكسر الفاء ـ الطائفة من الناس.
ووصفها بأنها ((الناجية المنصورة)) أخذًا من قوله - عليه السلام -:
((لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتي على الحقِّ منصورةً، لا يضرُّهم من خَذلهم، حتى يأتي أمر الله))().
ومن قوله في الحديث الآخر:
((ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقةً: كلهم في النّار إلى واحدة، وهي مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي))().
وقوله: ((أهل السنة والجماعة))؛ بدل من الفرقة.
والمراد بالسنة: الطريقة التي كان عليها رسول الله ( وأصحابه قبل ظهور البدع والمقالات.
والجماعة في الأصل: القوم المجتمعون، والمراد بهم هنا سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله تعالى وسنة رسوله (.
(وَهُوَ الإِيمانُ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، والإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خِيْرِهِ وَشَرِّهِ).
/ش/ هذه الأمور الستة هي أركان الإيمان، فلا يتمُّ إيمانُ أحدٍ إلا إذا آمن بها جميعًا على الوجه الصحيح الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، فمَنْ جَحَدَ شيئًا منها أو آمن به على غير هذا الوجه؛ فقد كفر.
وقد ذُكِرَت كلها في حديث جبريل المشهور، حين جاء إلى النبي ( في صورة أعرابي يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان؟ فقال:
((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه, ورسله، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره))()؛ حلوه ومره من الله تعالى.
والملائكة: جمع مَلَك، وأصله مألك؛ من الألوكة، وهي الرسالة، وهم نوعٌ من خلق الله عز وجل، أسكنهم سماواته، ووكلهم بشؤون خلقه, ووصفهم في كتابه بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنهم يسبِّحون له بالليل والنهار لا يفترون.
فيجب علينا الإيمان بما ورد في حقهم من صفات وأعمال في الكتاب والسنَّة، والإمساك عمَّا وراء ذلك؛ فإن هذا من شؤون الغيب التي لا نعلم منها إلا ما علَّمنا الله ورسوله.
والكتب:جمع كتاب، وهو مِن الكَتْب؛ بمعنى: الجمع والضم، والمراد بها الكتب المنزَّلة من السماء على الرسل عليهم الصلاة والسلام.
والمعلوم لنا منها: صحف إبراهيم، والتوراة التي أُنزلت على موسى في الألواح، والإنجيل الذي أُنزل على عيسى، والزَّبور الذي أُنزل على داود، والقرآن الكريم الذي هو آخرها نزولاً، وهو المصدِّق لها، والمهيمن عليها، وما عداها يجب الإيمان به إجمالاً.
والرسل: جمع رسول، وقد تقدم أنه من أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه.
وعلينا أن نؤمن تفصيلاً بمَن سمَّى الله في كتابه منهم، وهم خمسة وعشرون، ذكرهم الشاعر في قوله:
في (َتِلْكَ حُجَّتُنَا( () مِنْهُمْ ثَمَانِيَة
مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ ويَبْقَى سَبْعَةٌ وهُمُ
إدْرِيسُ هُودُ شُعَيْبٌ صَالِحٌ وكَذا
ذُو الكِفْلِ آدَمُ بالمُخْتَارِ قَدْ خُتِمُوا
وأما مَن عدا هؤلاء من الرسل والأنبياء؛ فنؤمن بهم إجمالاً على معنى الاعتقاد بنبوَّتِهم ورسالتهم، دون أن نكلِّف أنفسنا البحث عن عدتهم وأسمائهم، فإن ذلك مما اختصَّ الله بعلمه؛ قال تعالى:
ويجب الإيمان بأنهم بلَّغوا جميعَ ما أُرسلوا به على ما أمرهم الله عز وجل، وبيَّنوه بيانًا لا يسع أحدًا ممَّن أُرسلوا إليه جهله، وأنهم معصومون من الكذب والخيانة، والكتمان والبلادة.
وأن أفضلهم أولو العزم، والمشهور أنهم: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح؛ لأنهم ذُكروا معًا في قوله تعالى:
و((البعث)) في الأصل: الإثارة والتحريك ، والمـراد به في لسـان الشرع: إخراج الموتى من قبورهم أحياء يوم القيامة؛ لفصل القضاء بينهم، فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرًا يره، ومَن يعمل مثقال ذرَّةٍ شرًّا يره.
ويجب الإيمان بالبعث على الصفة التي بيَّنها الله في كتابه،وهو أنه جمعُ ما تحلَّل من أجزاء الأجساد التي كانت في الدنيا، وإنشاؤها خلقًا جديدًا، وإعادةُ الحياة إليها.
ومنكر البعث الجسماني ـ كالفلاسفة والنصارى ـ كافر، وأمّا مَن أقرَّ به ولكنه زعم أن الله يبعث الأرواح في أجسامٍ غير الأجسام التي كانت في الدنيا؛ فهو مبتدعٌ وفاسقٌ.
وأما ((القدر))؛ فهو في الأصل، مصدر تقول: قدرتُ الشيء - بفتح الدال وتخفيفها - أقْدِرُهُ - بكسرها - قَدْرًا وقَدَرًا؛ إذا أحطتَ بمقداره.
والمراد به في لسان الشرع أن الله عز وجل علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلاً، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق ما علمه منها، وأنه كتبها في اللوح قبل إحداثها؛ كما في الحديث:
((أول ما خلق الله القلم، فقال لـه: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل ما هو كائن))().
(وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ: الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتِابِهِ الْعَزِيزِ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ (؛ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلاَ تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ).
/ش/ وقولـه: ((ومن الإيمان بالله… إلخ)): هذا شروعٌ في التفصيل بعد الإجمال، و(من) هنا للتبعيض، والمعنى ومن جملة إيمان أهل السنة والجماعة بالأصل الأول الذي هو أعظم الأصول وأساسها، وهو الإيمان بالله: أنهم يؤمنون بما وصف به نفسه… إلخ.
وقولـه: ((من غير تحريف)) متعلِّقٌ بالإيمان قبله؛ يعني أنهم يؤمنون بالصفات الإلهية على هذا الوجه الخالي من كل هذه المعاني الباطلة؛ إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل.
والتحريف في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفتُ الشيء عن وجهه حرفًا، من باب ضرب؛ إذا أملته وغيرته، والتشديد للمبالغة.
وتحريف الكلام: إمالته عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر لا يدلُّ عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوحٍ، فلا بد فيه من قرينةٍ تبيِّن أنه المراد().
وأما التعطيل؛ فهو مأخوذ من العطل، الذي هو الخلوُّ والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى:
( وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَة (().
أي: أهملها أهلها، وتركوا وِرْدها.
والمراد به هنا نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذاته تعالى().
فالفرق بين التحريف والتعطيل: أن التعطيل نفيٌ للمعنى الحق الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، وأمّا التحريف؛ فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدلُّ عليها.
والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، فإن التعطيل أعمُّ مطلقًا من التحريف؛ بمعنى أنه كلما وجد التحريف؛ وجد التعطيل؛ دون العكس، وبذلك يوجدان معًا فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق، ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفي الصفات الواردة في الكتاب والسنة، وزعم أن ظاهرها غير مرادها، ولكنه لم يُعَيِّن لها معنًى آخر، وهو ما يسمونه بالتفويض.
ومن الخطأ القول بأن هذا هو مذهب السَّلف؛ كما نسب ذلك إليهم المتأخرون من الأشاعرة() وغيرهم، فإن السلف لم يكونوا يفوِّضون في علم المعنى، ولا كانوا يقرؤون كلامًا لا يفهمون معناه؛ بل كانوا يفهمون معاني النصوص من الكتاب والسنة، ويثبتونها لله عز وجل، ثم يفوِّضون فيما وراء ذلك من كُنْهِ الصفات أو كيفيَّاتها()؛ كما قال مالك حين سُئِلَ عن كيفية استوائه تعالى على العرش:
((الاستواء معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ))().
وأما قوله: ((ومن غير تكييف ولا تمثيل))؛ فالفرق بينهما أن التكييف أن يعتقد أن صفاته تعالى على كيفية كذا،أو يسأل عنها بكيف.
وأما التمثيل؛ فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
وليس المراد من قوله: ((من غير تكييف)) أنهم ينفون الكيف مطلقًا؛ فإن كل شيء لا بد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف؛ إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه.
(بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(()).
/ش/ قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِه(؛ هذه الآية المحكمة من كتاب الله عز وجل هي دستور() أهل السنة والجماعة في باب الصفات، فإن الله عز وجل قد جمع فيها بين النفي والإثبات، فنفى عن نفسه المثل، وأثبت لنفسه سمعًا وبصرًا، فدلَّ هذا على أن المذهب الحق ليس هو نفي الصفات مطلقًا؛ كما هو شأن المعطِّلة، ولا إثباتها مطلقًا؛ كما هو شأن الممثِّلة؛ بل إثباتها بلا تمثيل.
وقد اختُلِفَ في إعراب : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( على وجوه ؛ أصحُّها: أن الكافَ صلةٌ زيدَت للتأكيد؛ كما في قول الشاعر:
/ش/وقوله: ((فلا يَنْفونَ عنه..إلخ)) تفريعٌ على ما قبله؛ فإنهم إذا كانوا يؤمنون بالله على هذا الوجه ؛ فلا ينفون ولا يحرِّفونَ ، ولا يكيِّفون ولا يمثِّلُون.
والمواضع: جمع موضع، والمراد بها المعاني التي يجب تنزيل الكلام عليها؛ لأنها هي المتبادرة منه عند الإطلاق، فهم لا يعدِلون به عنها.
وأما قولـه: ((ولا يُلْحِدون في أسماء الله وآياته))؛ فقد قال العلامة ابن القيِّم رحمه الله:
((والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها؛ مأخوذٌ من الميل؛ كما يدل عليه مادة (ل ح د)، فمنه اللحد، وهو الشق في جانب القبر، الذي قد مال عن الوسط، ومنه المُلْحِد في الدين: المائل عن الحق، المُدْخِل فيه ما ليس منه)). اهـ
فالإلحاد فيها إما أن يكون بجحدها وإنكارها بالكليَّة، وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات الفاسدة، وإما بجعلها أسماء لبعض المُبتَدَعات؛ كإلحاد أهل الاتحاد.
وخلاصة ما تقدم:
أن السلف رضي الله عنهم يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه، وبكل ما أخبر به عنه رسوله ( إيمانًا سالمًا من التحريف والتعطيل، ومن التكييف والتمثيل، ويجعلون الكلام في ذات الباري وصفاته بابًا واحدًا؛ فإن الكلام في الصفات فرعُ الكلام في الذات، يُحْتَذَى فيه حَذْوُه، فإذا كان إثبات الذات إثباتَ وجودٍ لا إثبات تكييف؛ فكذلك إثبات الصفات.
وقد يعبِّرون عن ذلك بقولهم: ((تُمَرُّ كَما جاءت بلا تأويل))، ومَن لم يفهم كلامهم؛ ظنَّ أنّ غرضهم بهذه العبارة هو قراءة اللفظ دون التعرُّض للمعنى، وهو باطل، فإن المراد بالتأويل المنفي هنا هو حقيقة المعنى وكنهه وكيفيته().
قال الإمام أحمد رحمه الله:
((لا يوصَفُ الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، ولا يتجاوز القرآن والحديث))().
وقال نُعيم بن حمَّاد (شيخ البخاري):
((مَن شبَّه اللهَ بخلقه؛ كفر، ومَن جحد ما وصف الله به نفسه؛ كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيهٌ ولا تمثيلٌ))().
(لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: لاَ سَمِيَّ لَهُ، وَلاَ كُفْءَ لَهُ، وَلاَ نِدَّ لهُ).
/ش/ قوله: ((لأنه سبحانه لا سمي لـه… إلخ))؛ تعليل لقوله فيما تقدم إخبارًا عن أهل السنة والجماعة: ((لا يكيِّفون ولا يمثِّلون)).
ومعنى : (( لا سميَّ لـه )) أي : لا نظير لـه يستحقُّ مثل اسمه() ، أو لا مسامِيَ له يساميه، وقد دلَّ على نفيه قوله تعالى في سورة مريم:
( ِهَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( ().
فإن الاستفهام هنا إنكاريٌّ، معناه النفي.
وليس المراد من نفي السميِّ أن غيره لا يسمَّى بمثل أسمائه، فإن هناك أسماء مشتركة بينه وبين خلقه، ولكنَّ المقصود أن هذه الأسماء إذا سمِّي الله بها؛ كان معناها مختصًّا به لا يَشْرَكُهُ فيه غيره، فإن الاشتراك إنما هو في مفهوم الاسم الكلِّي، وهذا لا وجود لـه إلاَّ في الذهن، وأما في الخارج؛ فلا يكون المعنى إلا جزئيًّا مختصًّا، وذلك بحسب ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى الرَّبِّ؛ كان مختصًّا به، لا يشاركه فيه العبد، وإن أضيف إلى العبد كان مختصًّا به لا يشاركه فيه الرب.
وأما الكفء؛ فهو المكافئ المساوي، وقد دلَّ على نفيه قوله تعالى:
(ولاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ سُبْحَانَهَ وَتَعَالَى).
/ش/ وأما قولـه: ((يُقاسُ بخلقه))؛ فالمقصود به أنه لا يجوز استعمال شيءٍ من الأقيسة التي تقتضي المماثلة والمساواة بين المَقِيس والمَقِيس عليه في الشؤون الإلهية.
وذلك مثل قياس التمثيل الذي يعرِّفه علماء الأصول بأنه إلحاق فرع بأصل في حكمٍ جامع؛ كإلحاق النبيذ بالخمر في الحرمة لاشتراكهما في علة الحكم، وهي الإسكار.
فقياس التمثيل مبنيٌّ على وجود مماثلة بين الفرع والأصل، والله عز وجلَّ لا يجوز أن يمثِّل بشيء من خلقه.
ومثل قياس الشمول المعروف عند المناطقة بأنه الاستدلال بكليٍّ على جزئيٍّ بواسطة اندراج ذلك الجزئي مع غيره تحت هذا الكُلِّي.
فهذا القياس مبنيٌّ على استواء الأفراد المُنْدَرِجة تحت هذا الكُلِّي، ولذلك يُحكَم على كل منها بما حُكِمَ به عليه. ومعلومٌ أنه لا مساواة بين الله عز وجل وبين شيء من خلقه.
وإنما يُستعمل في حقه تعالى قياس الأوْلى، ومضمونه أن كلَّ كمال ثبت للمخلوق وأمكن أن يتَّصف به الخالق؛ فالخالق أولى به من المخلوق، وكلَّ نقصٍ تَنَزَّهَ عنه المخلوق؛ فالخالق أحق بالتنزُّه عنه.
وكذلك قاعدة الكمال التي تقول: إنه إذا قُدِّر اثنان: أحدهما موصوف بصفة كمال، والآخر يمتنع عليه أن يتصف بتلك الصفة؛ كان الأول أكمل من الثاني، فيجب إثبات مثل تلك الصفة لله ما دام وجودها كمالاً وعدمها نقصًا.
(فَإنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلاً، وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ.
ثُمَّ رُسُلُه صَادِقُونَ [مُصَدَّقون]()؛ بِخِلاَفِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لاَ يَعْلَمُونَ).
/ش/ قوله: ((فإنه أعلم بنفسه وبغيره…)) إلى قوله: ((… ثم رسله صادقون مصدوقون))؛ تعليلٌ لصحَّة مذهب السلف في الإيمان بجميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة؛ فإنه إذا كان الله عز وجل أعلم بنفسه وبغيره، وكان أصدق قولاً وأحسن حديثًا، وكان رسله عليهم الصلاة والسلام صادقين في كل ما يخبرون به عنه، معصومين من الكذب عليه والإخبار عنه بما يخالف الواقع؛ وجب التعويل إذًا في باب الصفات نفيًا وإثباتًا على ما قاله الله وقاله رسوله الذي هو أعلم خلقه به، وأن لا يُتْرك ذلك إلى قول مَن يفترون على الله الكذب ويقولون عليه ما لا يعلمون.
وبيان ذلك أن الكلام إنما تَقْصُر دلالته على المعاني المُرادة منه لأحد ثلاثة أسباب: إما لجهل المتكلم وعدم علمه بما يتكلَّم به، وإما لعدم فصاحته وقدرته على البيان، وإما لكذبه وغشه وتدليسه. ونصوص الكتاب والسنة بريئة من هذه الأمور الثلاثة من كل وجه، فكلام الله وكلام رسوله في غاية الوضوح والبيان؛ كما أنه المثل الأعلى في الصدق والمطابقة للواقع؛ لصدوره عن كمال العلم بالنسب الخارجية، وهو كذلك صادر عن تمام النصح، والشفقة، والحرص على هداية الخلق وإرشادهم.
فقد اجتمعت له الأمور الثلاثة التي هي عناصر الدلالة والإفهام على أكمل وجه.
فالرسول ( أعلم الخلق بما يريد إخبارهم به، وهو أقدرهم على بيان ذلك والإفصاح عنه، وهو أحرصهم على هداية الخلق، وأشدُّهم إرادة لذلك، فلا يمكن أن يقع في كلامه شيء من النقص والقصور؛ بخلاف كلام غيره؛ فإنه لا يخلو من نقص في أحد هذه الأمور أو جميعها، فلا يصح أن يُعْدَلَ بكلامه كلام غيره؛ فضلاً عن أن يُعْدَلَ عنه إلى كلام غيره؛ فإن هذا هو غاية الضلال، ومنتهى الخذلان.
(وَلِهَذَا قَالَ: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( ().
فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ؛ لِسَلاَمَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ).
/ش/ قولـه: ((ولهذا قال… إلخ))؛ تعليلٌ لما تقدّم من كون كلام الله وكلام رسولـه أكمل صدقًا، وأتمُّ بيانًا ونصحًا، وأبعد عن العيوب والآفات من كلام كل أحد.
و((سبحان))؛ اسم مصدر من التسبيح، الذي هو التنزيه والإبعاد عن السوء، وأصله من السبح، الذي هو السرعة والانطلاق والإبعاد، ومنه فرسٌ سبوح؛ إذا كانت شديدة العدو.
وإضافة الرب إلى العزة من إضافة الموصوف إلى صفته، وهو بدل من الرب قبله.
فهو سبحانه ينزِّه نفسه عما ينسبه إليه المشركون من اتخاذ الصَّاحبة والولد، وعن كل نقص وعيب، ثم يسلِّم على رسله عليهم الصلاة والسلام بعد ذلك؛ للإشارة إلى أنه كما يجب تنزيه الله عز وجل وإبعاده عن كل شائبة نقص وعيب، فيجب اعتقاد سلامة الرسل في أقوالهم وأفعالهم من كل عيب كذلك، فلا يكذبون على الله، ولا يشركون به، ولا يغشُّون أممهم، ولا يقولون على الله إلا الحق.
قوله:((والحمدُ لله رب العالمين))؛ ثناءٌ منه سبحانه على نفسه بماله من نعوت الكمال، وأوصاف الجلال، وحميد الفعال، وقد تقدم الكلام على معنى الحمد، فأغنى عن إعادته.
(وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيما وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بينَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ).
/ش/ لمَّا بيَّن فيما سبق أن أهل السنة والجماعة يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ولم يكن ذلك كله إثباتًا ولا كله نفيًا؛ نبَّه على ذلك بقوله: ((وهو سبحانه قد جمع… إلخ)).
واعلم أنَّ كلاًّ من النفي والإثبات في الأسماء والصفات مجملٌ ومفصَّلٌ.
أما الإجمال في النفي؛ فهو أن يُنفَى عن الله عز وجل كلُّ ما يضادُّ كمالـه من أنواع العيوب والنقائص؛ مثل قولـه تعالى:
وأما التفصيل في النفي؛ فهو أن يُنَزَّهَ الله عن كل واحد من هذه العيوب والنقائص بخصوصه، فينَزَّهُ عن الوالد، والولد، والشريك، والصاحبة، والند، والضد، والجهل، والعجز، والضلال،والنسيان، والسِّنة، والنوم، والعبث، والباطل… إلخ.
ولكن ليس في كتاب الله ولا في السنة نفيٌ محضٌ؛ فإن النفي الصرف لا مدح فيه، وإنما يُراد بكل نفيٍ فيهما إثبات ما يضاده من الكمال: فنفي الشريك والند؛ لإثبات كمال عظمته وتفرُّده بصفات الكمال، ونفي العجز؛ لإثبات كمال قدرته، ونفي الجهل؛ لإثبات سعة علمه وإحاطته، ونفي الظلم؛ لإثبات كمال عدلـه، ونفي العبث؛ لإثبات كمال حكمته،ونفي السِّنة والنوم والموت؛ لإثبات كمال حياته وقيُّومِيَّتِه.. وهكذا.
ولهذا كان النَّفي في الكتاب والسنة إنما يأتي مجملاً في أكثر أحواله؛ بخلاف الإثبات؛ فإن التفصيل فيه أكثر من الإجمال؛ لأنه مقصود لذاته.
وأما الإجمال في الإثبات ؛ فمثل إثبات الكمال المطلق ، والحمد المطلق ، والمـجد المطلق ، ونحـو ذلـك ؛ كما يشـير إليه مثل قوله تعالى :(الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(()،(??وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ (().
وأما التفصيل في الإثبات؛ فهو متناوِلٌ لكل اسم أو صفة وردت في الكتاب والسنة، وهو من الكثرة بحيث لا يمكن لأحد أن يحصيه؛ فإن منها ما اختص الله عز وجل بعلمه؛ كما قال عليه الصلاة والسلام:
((سبحانك لا نحصي ثناءً عليكَ أنت كما أثنيتَ على نفسك))().
وفي حديث دعاء المكروب:
((أسألك بكل اسم هو لك؛ سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علَّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك))().
(فَلاَ عُدُولَ لأَهْلِ السُّنَّةٌ وَالْجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ؛ فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ والصَالِحِينَ).
/ش/ قوله: ((فلا عُدولَ… إلخ))؛ هذا مترتِّبٌ على ما تقدم من بيان أن ما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الحق الذي يجب اتِّباعه، ولا يصحُّ العدول عنه، وقد علل بأنه الصراط المستقيم، يعني الطريق السويّ القاصد الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
والصراط المستقيم لا يكون إلا واحدًا؛ من زاغ عنه أو انحرف وقع في طريقٍ من طرق الضلال والجَور؛ كما قال تعالى:
والصراط المستقيم هو طريق الأمة الوسط، الواقع بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا أمرنا الله عز وجل وعلَّمنا أن نسأله أن يهدينا هذا الصراط المستقيم في كل ركعة من الصلاة؛ أي: يلهمنا ويوفقنا لسلوكه واتباعه، فإنه صراط الذين أنعم الله عليهم من النَّبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين وحَسُنَ أُولئك رفيقًا.
(وَقَدْ دَخَلَ فِي هِذِهِ الْجُمْلَةِ مَا وَصَفَ الله بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الإِخْلاَصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، حَيثُ يَقُولُ: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ().
/ش/ قوله: ((وقد دخل… إلخ))؛ شروعٌ في إيراد النصوص من الكتاب والسنة المتضمِّنة لما يجب الإيمان به من الأسماء والصفات في النفي والإثبات.
وابتدأ بتلك السورة العظيمة؛ لأنها اشتملت من ذلك على ما لم يشتمل عليه غيرها، ولهذا سُمِّيَتْ سُورة الإخلاص؛ لتجريدها التوحيد من شوائب الشرك والوثنية.
روى الإمام أحمد في ((مسنده)) عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه في سبب نزولها: أن المشركين قالوا: يا محمد! انسب لنا ربك. فأنزل الله تبارك وتعالى: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ( إلخ السورة().
وقد ثبت في الصحيح أنها تعدل ثلث القرآن().
وقد اختلف العلماء في تأويل ذلك على أقوال؛ أقربها [ما نقله شيخ الإسلام عن أبي العباس]()، وحاصله أن القرآن الكريم اشتمل على ثلاثة مقاصد أساسية:
أولها: الأوامر والنواهي المتضمِّنة للأحكام والشرائع العملية التي هي موضوع علم الفقه والأخلاق.
ثانيها: القصص والأخبار المتضمنة لأحوال الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم، وأنواع الهلاك التي حاقت بالمكذِّبين لهم، وأحوال الوعد والوعيد، وتفاصيل الثواب والعقاب.
ثالثها: علم التوحيد، وما يجب على العباد من معرفة الله بأسمائه وصفاته، وهذا هو أشرف الثلاثة.
ولما كانت سورة الإخلاص قد تضمَّنَت أُصول هذا العلم، واشتملت عليه إجمالاً؛ صحَّ أن يقال: إنها تعدل ثلث القرآن.
وأما كيف اشتملت هذا السورة على علوم التوحيد كلها، وتضمَّنت الأصول التي هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي؟ فنقول:
إن قوله تعالى:(اللَّهُ أَحَدٌ ( دلَّت على نفي الشريك من كل وجهٍ: في الذات، وفي الصفات، وفي الأفعال؛ كما دلَّت على تفرُّده سبحانه بالعظمة والكمال والمجد والجلال والكبرياء ، ولهذا لا يُطلَق لفظ (أَحَدٌ( في الإثبات إلا على الله عز وجل، وهو أبلغ من واحد.
وقوله: (اللَّهُ الصَّمَد (قد فسَّرها ابن عباس رضي الله عنه بقوله:
((السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمُل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبَّار الذي قد كمل في جبروته، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد ، وهو الله عز وجل ، هذه صفته ، لا تنبغي إلا له، ليس له كفءٌ، وليس كمثله شيء))().
وقد فُسِّر الصمد أيضًا بأنه الذي لا جوف له()، وبأنه الذي تصمد إليه الخليقة كلها وتقصده في جميع حاجاتها ومهمَّاتها().
فإثبات الأحدية لله تضمَّن نفي المشاركة والمماثلة.
وإثبات الصمديَّة بكل معانيها المتقدمة تتضمن إثبات جميع تفاصيل الأسماء الحسنى والصفات العلى. وهذا هو توحيد الإثبات.
وأما النوع الثاني ـ وهو توحيد التنزيه ـ ؛ فيؤخـذ من قولـه تعالى: ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (؛ كما يؤخذ إجمالاً من قولـه: (اللَّهُ أَحَدٌ (؛ أي: لم يتفرَّع عنه شيء، ولم يتفرَّع هو عن شيء، وليس لـه مكافئ ولا مماثل ولا نظير.
فانظر كيف تضمَّنت هذه السورة توحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرَّبِّ تعالى من الأَحَدِيَّة المنافية لمطلق المشاركة، والصمَدِيَّةِ المُثْبِتَة لـه جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقصٌ بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم غناه وصمَدِيَّتِه وأَحدِيَّتِه، ثم نفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والنظير()؟
فحُقَّ لسورة تضمَّنت هذه المعارف كلها أن تعدل ثلث القرآن.
/ش/ روى مسلم في ((صحيحه))() عن أُبيّ بن كعب أن النبيَّ ( سأله:
((أي آية في كتاب الله أعظم؟)).
قال: الله ورسولـه أعلم.
فردَّدها مرارًا، ثم قال أُبيٌّ: آية الكرسي.
فوضع النبي يده على كتفه، وقال: ((ليهنك هذا العلم أبا المنذر)).
وفي رواية عند أحمد:
((والذي نفسي بيده؛ إن لها لسانًا وشفتين تقدِّس الملك عند ساق العرش))().
ولا غرو، فقد اشتملت هذه الآية العظيمة من أسماء الربِّ وصفاته على ما لم تشتمل عليه آية أخرى.
فقد أخبر الله فيها عن نفسه بأنه المتوحِّد في إلهيَّتِه، الذي لا تنبغي العبادة بجميع أنواعها وسائر صورها إلا له.
ثم أردف قضية التوحيد بما يشهد لها من ذكر خصائصه وصفاته الكاملة، فذكر أنه الحي الذي لـه كمال الحياة؛ لأن حياته من لوازم ذاته، فهي أزليَّة أبديَّة، وكمال حياته يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال الذاتيَّة له، من العزَّة والقدرة والعلم والحكمة والسمع والبصر والإرادة والمشيئة وغيرها؛ إذ لا يتخلّف شيء منها إلا لنقصِ في الحياة، فالكمال في الحياة يتبعه الكمال في سائر الصفات اللازمة للحيّ.
ثم قرن ذلك باسمه القيوم، ومعناه الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع خلقه غنًى مطلقًا لا تشوبُه شائبةُ حاجةٍ أصلاً؛ لأنه غنًى ذاتيٌّ، وبه قامت الموجودات كلها، فهي فقيرة إليه فقرًا ذاتيًا، بحيث لا تستغني عنه لحظة، فهو الذي ابتدأ إيجادها على هذا النحو من الإحكام والإتقان، وهو الذي يدبِّر أمورها، ويمدها بكل ما تحتاج إليه في بقائها، وفي بلوغ الكمال الذي قدره لها.
فهذا الاسم متضمِّنٌ لجميع صفات الكمال الفعليَّة، كما أن اسمه الحي متضمِّن لجميع صفات الكمال الذاتية، ولهذا ورد أن الحي القيوم هما اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب.
ثم أعقب ذلك بما يدلُّ على كمال حياته وقيُّوميَّته ، فقال :(لاَ تَأْخُذُه ُ( ؛ أي لا تغلبه (سِنَةٌ??(؛ أي نعاسٌ (وَلاَ نَوْمٌ (؛ فإن ذلك ينافي القيومية؛ إذ النوم أخو الموت،ولهذا كان أهل الجنَّة لا ينامون.
ثم ذكر عموم ملكه لجميع العوالِم العُلْوية والسُّفلية، وأنها جميعًا تحت قهره وسلطانه، فقال:( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْض???.
ثم أردف ذلك بما يدلُّ على تمام ملكه، وهو أن الشفاعة كلها لـه، فلا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه.
وقد تضمَّن هذا النفي والاستثناء أمرين:
أحدهما: إثبات الشفاعة الصحيحة، وهي أنها تقع بإذنه سبحانه لمن يرضى قوله وعمله.
والثاني: إبطال الشفاعة الشركيَّة التي كان يعتقدها المشركون لأصنامهم، وهي أنها تشفع لهم بغير إذن الله ورضاه.
ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، وأنه لا يخفى عليه شيء من الأمور المستقبلة والماضية.
وأما الخلق فإنهم ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِه( ؛ قيل: يعني من معلومه. وقيل: من علم أسمائه وصفاته؛( إِلاَّ بِمَا شَاء (الله سبحانه أن يعلمهم إياه على ألسنة رسله، أو بغير ذلك من طرق البحث والنظر والاستنتاج والتجربة.
ثم ذكر ما يدل على عظيم ملكه، وواسع سلطانه، فأخبر أن كرسيَّه قد وسع السماوات والأرض جميعًا.
والصحيح في الكرسي أنه غير العرش، وأنه موضع القدمين، وأنه في العرش كحلْقة ملقاة في فلاة.
وأما ما أورده ابن كثير عن ابن عباس في تفسير الكرسي بالعلم؛ فإنه لا يصحُّ()، ويفضي إلى التكرار في الآية.
ثم أخبر سبحانه بعد ذلك عن عظيم قدرته وكمال قوته بقوله:(? وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ( ؛ أي: السموات والأرض وما فيهما.
وفسر الشيخ رحمه الله (يَؤُودُه( بـ: (يثقله ويُكْرِثُه)، وهو من آده الأمر: إذا ثقل عليه.
ثم وصف نفسه سبحانه في ختام تلك الآية الكريمة بهذين الوصفين الجليلين؛ وهما: ( الْعَلِيُّ ( ، و ( الْعَظِيمُ(.
فالعَلِيُّ: هو الذي لـه العلوُّ المطلق من جميع الوجوه:
علو الذَات: وكونه فوق جميع المخلوقات مستويًا على عرشه.
وعلو القَدْر: إذ كان لـه كل صفة كمال، ولـه من تلك الصفة أعلاها وغايتها.
وعلو القَهْر: إذ كان هو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.
وأما العظيم؛ فمعناه الموصوف بالعظمة، الذي لا شيء أعظم منه، ولا أجل، ولا أكبر، ولـه سبحانه التعظيم الكامل في قلوب أنبيائه وملائكته وأصفيائه.
(وَقَوْلـه سُبْحَانَهُ: ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ().
/ش/ قوله: ( هُوَ الأَوَّلُ (؛ الجملة هنا جاءت معرفة الطرفين؛ فهي تفيد اختصاصه سبحانه بهذه الأسماء الأربعة ومعانيها على ما يليق بجلاله وعظمته، فلا يُثْبَت لغيره من ذلك شيء.
وقد اضطربت عبارات المتكلِّمين في تفسير هذه الأسماء، ولا داعي لهذه التفسيرات بعدما ورد تفسيرها عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، فقد روى مسلم في ((صحيحه)) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه:
((اللهمَّ ربَّ السماواتِ السبع، وربَّ الأرضِ، ربَّ كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن؛ أعوذ بك من شر كل ذي شرٍّ أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عني الدين وأغْنِني من الفقر))().
فهذا تفسير واضحٌ جامعٌ يدلُّ على كمال عظمته سبحانه، وأنه محيطٌ بالأشياء من كل وجه.
فالأول والآخر: بيان لإحاطته الزمانية.
والظاهر والباطن: بيان لإحاطته المكانية.
كما أن اسمه الظاهر يدل على أنه العالي فوق جميع خلقه، فلا شيء منها فوقه.
فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، فأحاطت أوَّليَّتُهُ وآخريَّتُهُ بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريَّتُه وباطنيَّتُهُ بكل ظاهرٍ وباطن