أفضل نسخة لصحيح البخاري: الطبعة الأميرية ببولاق وتسمى السلطانية نسبة إلى السلطان عبدالحميد الثاني الذي أمر بطبعها عام 1311هـ
المزيد
القائمة البريدية
الوقت المستغرق في البحث (بالثانية):
صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة
المقدمة
مقدمة الطبعة الثانية
((الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، والعاقبةُ للمتقينَ ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، وأشهدُ ألاَّ إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، الموصوفُ بصفاتِ الجلالِ، المنعوتُ بنعوتِ الكمالِ ، المنَزَّهُ عمَّا يضادُّ كمالِه من سلبِ حقائقِ أسمائِهِ وصفاتِهِ ، المستلزمِ لوصْفِه بالنقائصِ وشَبَهِ المخلوقين ، فنفْيُ حقائقِ أسمائِهِ متضمنٌ للتعطيلِ والتشبيهِ ، وإثباتُ حقائقِها على وجهِ الكمالِ الذي لا يستحقه سواه هو حقيقةُ التوحيدِ والتنزيه ، فالمعطِّلُ جاحدٌ لكمالِ المعبودِ، والممثِّلُ مشَبِّهٌ له بالعبيدِ ، والموحِّدُ مبينٌ لحقائقِ أسمائِهِ وكمالِ أوصافِهِ ، وذلك قطبُ رحى التوحيدِ ، فالمعطِّلُ يعبدُ عَدَمَاً ، والممثلُ يعبدُ صنماً ، والموحِّدُ يعبدُ رباً ليس كمثلِهِ شيءٌ ، له الأسماء الحسنى ، والصفاتُ العلى ، وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً ، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ، وأمينُه على وحيه، وخيرتُه من خلقه ، وحجتُه على عبادِه ، فهو رحمتُهُ المهداةُ إلى العالمين ، ونعمتُه التي أتمَّها على أتباعه من المؤمنين))(1)
أمَّا بعد :
فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب ((صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ)) بعد مرور سبع سنوات على الطبعة الأولى ، استدركت فيها بعض الجمل والكلمات ، وأضفت عدداً من الأدلة لبعض الصفات ، كما أضفت عدداً من الصفات وهي : استطابة الروائح ، الإِيجاب والتحليل والتحريم ، البَطْش ، التَّجَلِّي، التَّدَلِّي ، التشريع ، الدِّلالة أو الدَّلِيل ، الدَّيَّان ، العَمَل والفِعْل ، القرآن ، الهُبُوط ، الوَصْل والقَطْع .
أمَّا أسماء الله الحسنى فقد أضفت ثلاثة أسماء ترجَّح لي بالدليل أنها من أسماء الله عزَّ وجلَّ وهي : الدَّيَّان و المقيت والهادي ، وتوقفت في اسمين فلم أُوردهما في هذه الطبعة وهما : العالم والوارث.
وأخيراً فإني أشكر الله عزَّ وجلَّ الذي تَمَّمَ هذا الكتاب وأعان عليه ، ثم أشكر كلَّ الأخوة الذين قاموا بمقابلة هذه الطبعة بسابقتها ، فمن لم يشكر الناس لم يشكرِ الله .
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتبه
أبو محمد
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
البريد الإلكتروني
aasaggaf@hotmail.com
مقدمة الطبعة الأولى
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا ، مَن يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضلل فلا هاديَ له ، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ؛
أما بعد ؛ فإنَّ خيرَ الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اعلم - رحمني الله وإياك - أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نسأل الله علماً نافعاً ، ونتعوذ به من علم لا ينفــع ، فقال فيما رواه عنه جابر بن عبد الله رضي الله عنه : ((سلوا الله علماً نافعاً ، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع))() وكان صلى الله عليه وسلم يعلمنا ذلك ، فيقول : ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن دعوة لا يستجاب لها))() .
واعلم أن أنفع العلوم علم التوحيد ، ومنه علم الأسماء والصفات ، وذلك لأن ((شرف العلم بشرف المعلوم ، والباري أشرف المعلومات ؛ فالعلم بأسمائه (وصفاته) أشرف العلوم ))().
و (( العلم النافع ما عرَّف العبدَ بربه ، ودلَّه عليه حتى عرفه ووحَّده وأنس به واستحى من قربه وعَبَده كأنه يراه ))().
((فأصل العلم بالله الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه والأنس به والشوق إليه ، ثم يتلوه العلم بأحكام الله ، وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد ، فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه نافعاً ، وحصل له العلم النافع والقلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المسموع ، ومن فاته هذا العلم النافع ، وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم ، وصار علمه وبالاً وحجة عليه ، فلم ينتفع به ؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه، ولم تشبع نفسه من الدنيا ، بل ازداد عليها حرصاً ولها طلباً ولم يُسمع دعاؤه ؛ لعدم امتثاله لأوامر ربه وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه ، هذا إن كان علمه علماً يمكن الانتفاع به ، وهو المتلقي عن الكتاب والسنة ، فإن كان متلقي عن غير ذلك ؛ فهو غير نافع في نفسه ، ولا يمكن الانتفاع به ، بل ضره أكثر من نفعه))(1)
و ((العلم النافع يدل على أمرين :
أحدهما : على معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة ، وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ومحبته ورجاءه والتوكل عليه والرضا بقضائه والصبر على بلائه.
والأمر الثاني : المعرفة بما يحبه ويرضاه ، وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال.
فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه ، فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا ؛ فهو علم نافع ، فمتى كان العلم نافعاً ، ووقر في القلب ؛ فقد خشع القلب لله ، وانكسر له وذل هيبة وإجلالاً وخشية ومحبة وتعظيماً ، ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له ؛ قنعت النفس بيسير الحال من الدنيا ، وشبعت به ، فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا ، وكل ما هو فان لا يبقى ، من المال والجاه وفضول العيش الذي ينقص به حظ صاحبه عند الله من نعيم الآخرة وإن كان كريماً على الله))(2)
ولذلك قال ابن القيم :
((إن أولى ما يتنافس به المتنافسون ، وأحرى ما يتسابق في حَلْبَة سباقه المتسابقون : ما كان بسعادة العبد في مَعاشه ومَعاده كفيلاً ، وعلى طريق هذه السعادة دليلاً ، وذلك العلم النافع ، والعمل الصالح ، اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما ، ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما ، فمن رُزِقَهما ؛ فقد فاز وغنم ، ومن حُرِمهما ؛ فالخير كله حُرِم ، وهما مورد انقسام العباد إلى مَرْحوم ومَحْروم ، وبهما يتميز البَرٌ من الفاجر ، والتقيُّ من الغوِيِّ ، والظالم من المظلوم ، ولما كان العلم للعمل قريناً وشافعاً ، وشرَفه لشرف معلومه تابعاً ؛ كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد ، وأنفعُها علم أحكام أفعال العبيد ، ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين وتلقِّي هذين العلمين إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عصمته ، وصرَّحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته ، وهو الصادق المصدوق ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى))().
لذلك فقد أفرد كثير من السلف في هذا الباب كتباً ومصنفات ، وخاصة في أسماء الله عَزَّ وجَلَّ ؛ إحصاءاً وشرحاً() ؛ إلا أنه – ومع هذه الكثرة – لا أعرف كتاباً أحصى وخَصَّ صفاتِ الله عَزَّ وجَلَّ بالذكر والتدليل والشرح على المعتقد السلفي ؛ معتقد أهل السنة والجماعة ؛ كما هو الحال في أسماء الله تعالى ، وإن كانت هناك كتبٌ قد أوردت جملة من الصفات لا على سبيل الإحصاء والحصر ؛ مثل : ((كتاب السنة)) لابن أبي عاصم (ت 287هـ) و ((كتاب التوحيد)) لإمام الأئمة ابن خزيمة (ت 311هـ) و ((كتاب التوحيد)) للحافظ ابن منده (ت 395هـ) ، وكتاب ((إبطال التأويلات لأخبار الصفات)) للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (ت 458هـ) – على هفواتٍ فيه - ، و ((كتاب الحجة في بيان المَحجَّة)) لقَوَّام السُّنَّة الأصبهاني (ت 535هـ) ، و كتاب ((قطف الثمر في بيان معتقد أهل الأثر)) لصديق حسن خان (ت 1307هـ) … وغيرها. أما كتاب ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (ت 458هـ) ؛ ففيه تأويلاتٌ كثيرةٌ ، تخرجه عن هذه الدائرة.
وكنت كلما وَقَعَتْ عيني على ذكر صفة من صفات الله عَزَّ وجَلَّ – والذاتِيَّة خاصة – مقيدة أو مشروحة في كتاب ؛ قيدت ذلك ، حتى أصبحت عندي جملة من صفات الله الذاتِيَّة والفعليَّة ، فهممت أن أنشرها ، لكني لما تفكرت في الأمر ، ووجدت أن هذا أول مصنف خاص بصفات الله عَزَّ وجَلَّ؛ رأيت أن يكون شاملاً ، فعكفت على آي القرآن الكريم ؛ مستخرجاً كل صفة لله عَزَّ وجَلَّ فيه ، ثم ثنيَّت بكتب السنة المشهورة ؛ كـ ((الصحيحين)) و ((السنن الأربعة)) و ((المسند)) للإمام أحمد وغيرها ، وما تركت فيها صفة أضيفت إلى الله عَزَّ وجَلَّ إلا وقيدتها ، ثم طفقت أبحــث في كتب العقيدة ، مستخرجاً أقوال السلف وفهمهم لها ، وهكذا ظللت فترة طويلة كلما سنحت فرصة أقرأ وأستخرج وأقيد ، حتى اطمأنت نفسي إلى أن هذا كل ما يمكن عمله ، فجمعتها ورتبتها على حروف الهجاء ، وسلكت سبيل الحافظ ابن منده في ((كتاب التوحيد)) (الجزء الثاني من المطبوع) الخاص بأسماء الله تعالى ، فهو رحمه الله قد رتَّب هذه الأسماء على حروف الهجاء ، واستشهد لكل اسم بدليل أو أكثر من القرآن الكريم ثم بدليل أو أكثر من السنة ، وذكر بعض أقوال السلف في ذلك ؛ فاستهوتني هذه الطريقة ، ورأيت فيها من الترتيب والتنسيق ما يسهل على القارئ الكريم الرجوع إلى الصفة بأسهل طريق ؛ غير أنني خالفـت هذا الترتيب في موضعين اثنين ، فابتدأت الصفات بصفة (الأولِيَّة) ، وختمتها بصفة (الآخرِيَّة) ؛ مراعاة لحسن الاستهلال وحسن الختام ، ولي سلفٌ في ذلك.
وإني اشترطت على نفسي ألاَّ أُورد إلا حديثاً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأكتفي بما رواه البخاري ومسلم أو أحدهما بما تثبت الصفة به ، فإن لم أجد ؛ أوردتُ حديثاً أو أكثر من غيرهما ، واشترطت ألا أثبت صفة إلا وأُورد من أثبتها من سلف هذه الأمة ؛ إلا أن يكون دليلها من الكتاب أو السنة ظاهر الدلالة.
وكان عملي في الكتاب كما يلي :
1- أحصيت جميع الصفات الذاتِيَّة : الخبرية منها ؛ كالوجه واليدين والأصابع والساق والقدمين وغيرها ، والسمعية العقلية ؛ كالحياة والقدرة والعلم وغيرها.
2- أحصيت جميع الصفات المشتقة من أسماء الله تعالى : الذاتِيَّة منها ؛ كالسمع والبصر والعزة والعظمة وغيرها ، والفعليَّة ؛ كالخلق والرزق والستر وغيرها ، وبهذا أكون قد أحصيت أسماء الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة ، ونبهت على ذلك ؛ كما أنني نبهت على ما يُظن أنه من أسماء الله تعالى ، وأخطأ فيه أقوام ، وهو ليس كذلك ، و لا يجوز التعبد به ، كالصبور ، والناصر ، والسَّتَّار ، ونحوها.
3- أحصيت جميع الصفات الفعليَّة الخبرية ؛ كالضحك ، والبشبشة والغضب والحب والبغض والكيد والمكر وغيرها ، وبعضاً من الصفات السمعية ، أما بقية الصفات الفعليَّة – السمعية العقلية – ؛ فهذه لا منتهى لها، وأنَّى لأحدٍ أن يحصيها ، (وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ( .
4- أوردت ما ليس بصفة لله عَزَّ وجَلَّ ويصح الإخبار عن الله به ؛ كلفظة (شيء) ، و (ذات) و (شخص) ، ونحوها ؛ لثبوتها بالدليل ، وللتمييز بينها وبين الصفة.
5- أوردت ما ليس بصفة ، ويصح الإخبار عن الله به بعد التفصيل ؛ كلفظة (الجهة) و (الحركة) ، مع التنبيه على أن الأولى استخدام اللفظ الشرعي؛ كالعلو والنُّزُول، لثبوته بالدليل ؛ بدلاً من هذا اللفظ المجمل الحادث.
6- أوردت ما ثبتت إضافته إلى الله عَزَّ وجَلَّ وظنَّه بعضهم إضافة صفة إلى موصوف ، وهو ليس كذلك ؛ كـ (الجنب) و (الظل) ، ونبهت على ذلك، وجعلت هذه الثلاثة الأخيرة مسبوقة بهذه العلامة [(] ، لتتميز عن الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ، أمَّا ما لم يثبت في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة ، وإن عده بعضهم صفة لله عَزَّ وجَلَّ ؛ كـ (الساعد) و (الاستلقاء) ونحوهما ؛ فلم أورده في هذا الكتاب ؛ لأنه ليس على شرط التأليف.
7- حرَّرت بعض المسائل التي وقع فيها الـخلاف من قديم ؛ مثل : هل
يوصف الله بأن إحدى يديه شمال ، أم أن كلتاهما يمين لا شمال فيهما؟ وهل يثبت لله اسم المحسن أم لا؟ وغيرها من المسائل.
8- قدَّمت الصفات بأربع مباحث :
أ - المبحث الأول في (معنى الاسم والصفة والفرق بينهما).
ب - المبحث الثاني في (قواعد عامة في الصفات) ، ذكرت فيه إحدى وعشرين قاعدة ، مدار الصفات جميعها عليها.
ج - المبحث الثالث في (أنواع الصفات).
د - المبحث الرابع في (ثمرات الإيمان بصفات الله عَزَّ وجَلَّ).
وقد عرضته على عددٍ من العلماء وطلاب العلم ، فاستحسنوه ، ومازلتُ أحذفُ منه وأضيف أخذاً برأي هذا وبنصيحة ذا ، حتى ظهر بالصورة التي تراها بين يديك ، وإني لأشكر وأدعو الله بظهر الغيب كل من خدم هذا الكتاب وساهم في نشره ، وأسأل الله عَزَّ وجَلَّ أن ينفع به كاتبه ومراجعه وقارئه.
فما كان فيه من صواب ؛ فهو بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ ، وما كان فيه من خطأ ومجانبةٍ للصواب ؛ فإني أبرأ إلى الله منه ، وأنا راجعٌ عنه إلى ما وافق الحق وأما أنت أيها القاريء الكريم ؛ فاضرب به عرض الحائط ، ولا تلتفت إليه ، ولا تنسبه إليَّ ؛ فقد أبى الله أن يتمَّ إلا كتابه.
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المباحث
المبحث الأول
معنى الاسم والصفة والفرق بينهما
الاسم : ((هو ما دل على معنى في نفسه))() ، و ((أسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها))() ، ((وقيل : الاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل))().
الصفة : ((هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات000وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يُعرف بها))() ، ((وهي ما وقع الوصف مشتقاً منها ، وهو دالٌ عليها ، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه))().
وقـال ابن فارس : ((الصفة : الأمارة اللازمة للشيء))() ، وقال : ((النعت : وصفك الشيء بما فيه من حسن))().
الفرق بين الاسم والصفة :
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن الفرق بين الاسم والصفة ؟ فأجابت بما يلي :
((أسمـاء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به ؛ مثل : القادر ، العليم ، الحكيم ، السميع ، البصير ؛ فإن هذه الأسماء دلَّت على ذات الله ، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر ، أما الصفات ؛ فهي نعوت الكمـال القائمة بالذات ؛ كالعلم والحكمة والسمع والبصر ؛ فالاسم دل على أمرين ، والصفة دلت على أمر واحد ، ويقال : الاسم متضمن للصفة ، والصفة مستلزمة للاسم…))().
ولمعرفة ما يُميِّز الاسم عن الصفة ، والصفة عن الاسم أمور ، منها :
أولاً : ((أن الأسماء يشتق منها صفات ، أما الصفات ؛ فلا يشتق منها أسماء ، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم ، صفات الرحمة والقدرة والعظمة ، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر))().
فأسماؤه سبحانه وتعالى أوصاف ؛ كما قال ابن القيم في ((النونية)) :
مُشْتَقَّةٌ قَدْ حُمِّلَتْ لِمَعانِ
*****
أسماؤُهُ أوْصافُ مَدْحٍ كُلُّها
ثانياً : ((أن الاسم لا يُشتق من أفعال الله ؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب ، أما صفاته ؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال ، لذلك قيل : باب الصفات أوسع من باب الأسماء))().
ثالثاً : أن أسماء الله عَزَّ وجَلَّ وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها(1) ، لكن تختلـف في التعــبد والدعاء ، فيتعبد الله بأسمائـه ، فنقول : عبدالكريم ، وعبد الرحـمن ، وعبد العزيز ، لكن لا يُتعبد بصفاته؛ فلا نقول : عبد الكرم ، وعبد الرحمـة ، وعبد العزة ؛ كما أنه يُدعى اللهُ بأسمائه، فنقول : يا رحيم ! ارحمنا ، ويا كريم! أكرمنا ، ويا لطيف! الطف بنا ، لكن لا ندعو صفاته فنقول : يا رحمة الله! ارحمينا ، أو : يا كرم الله ! أو :يا لطف الله ! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف ؛ فالرحمة ليست هي الله ، بل هي صفةٌ لله ، وكذلك العزة ، وغيرها ؛ فهذه صفات لله ، وليســـت هي الله ، ولا يجوز التعبد إلا لله ، ولا يجوز دعاء إلا الله ؛ لقولـه تعالى : ( يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شــَيْئًا ( [النور : 55] ، وقوله تعالى ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ( [غافر :60] وغيرها من الآيات().
((((
المبحث الثاني
قواعد عامَّة في الصفات
القاعدة الأولى :
((إثباتُ ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل))().
لأن الله أعلم بنفسه من غيره ، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه.
القاعدة الثانية :
((نفـيُ ما نفاه الله عن نفسه في كتابه ، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ، مع اعتقاد ثبوت كمال ضده لله تعالى))().
لأن الله أعلم بنفسه من خلقه ، ورسوله أعلم الناس بربه ؛ فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته ، ونفي الظلم يتضمن كمال عدله ، ونفي النوم يتضمن كمال قيُّوميَّته.
القاعدة الثالثة :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ توقيفية ؛ فلا يُثبت منها إلا ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته
له رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يُنفى عن الله عَزَّ وجَلَّ إلا ما نفاه عن نفسه ، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم))().
لأنــه لا أحد أعلم بالله من نفسه تعالى ، ولا مخلوقٌ أعلم بخالقه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القاعدة الرابعة :
((التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها ، أما معناها ؛ فَيُسْتفصل عنه ، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه ؛ رُدَّ ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله ؛ قُبِلَ ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث))().
مثاله : لفظة (الجهة) : نتوقف في إثباتها ونفيها ، ونسأل قائلها : ماذا تعني بالجهة؟ فإن قال : أعني أنه في مكان يحويه. قلنا : هذا معنى باطل يُنَزَّه الله عنه ، ورددناه . وإن قال : أعني جهة العلو المطلق ؛ قُلْنا : هذا حق لا يمتنع على الله.وقبلنا منه المعنى ، وقلنا له : لكن الأولى أن تقول : هو في السماء ، أو في العلو ؛ كما وردت به الأدلة الصحيحة ، وأما لفظة (جهة) ؛ فهي مجملة حادثة ، الأولى تركها.
((دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة : إما التصريح بها ، أو تضمن الاسم لها ، أو التصريح بفعلٍ أو وصفٍ دالٍّ عليها))().
مثـال الأول : الرحـمة ، والعزة ، والقوة ، والوجه ، واليدين ، والأصابع … ونحو ذلك.
مثال الثاني : البصـير متضمن صفة البصر ، والسميع متضمن صفة السمع .. ونحو ذلك.
مثال الثالث : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى( : دالٌّ علـى الاستواء ، ( إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ( : دالٌّ على الانتقام … ونحو ذلك.
القاعدة الثانية عشرة :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ يستعاذ بها ويُحلف بها))().
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ((أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتـك..)). رواه مسلم (486) ، ولذلك بوب البخاري في كتاب الأيمان والنذور : ((باب : الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته)).
القاعدة الثالثة عشرة :
((الكلام في الصفات كالكلام في الذات))().
فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات ؛ فهي متصفة بصفات حقيقية لا تشبه الصفات ، وكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية ، كذلك إثبات الصفات.
القاعدة الرابعة عشرة :
((القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر))().
فمن أقر بصفات الله ؛ كالسمع ، والبصر ، والإرادة ، يلزمه أن يقر بمحبة الله ، ورضاه ، وغضبه ، وكراهيته.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ((ومن فرق بين صفة وصفة ، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز ؛ كان متناقضاً في قولـه ، متهافتاً في مذهـبه ، مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض))(3).
القاعدة الخامسة عشرة :
((ما أضيف إلى الله مما هو غير بائنٍ عنه ؛ فهو صفة له غير مخلوقة ، وكلُّ شيء أضيف إلى الله بائن عنه ؛ فهو مخـلوق ؛ فليس كل ما أضيف إلى
الله يستلزم أن يكون صفةً له))().
مثال الأول : سمعُ الله ، وبصرُ الله ، ورضاه ، وسخطُه000
ومثال الثاني : بيت الله ، وناقة الله000
القاعدة السادسة عشرة :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان حديثاً واحداً ، وإن كان آحاداً))().
القاعدة السابعة عشرة :
((معاني صفات الله عَزَّ وجَلَّ الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة ، وتُفسر على الحقيقة ، لا مجاز ولا استعارة فيها البتة ، أمَّا الكيفية ؛ فمجهولة))().
القاعدة الثامنة عشرة :
(( ما جاء في الكتاب أو السنة ، وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيـمان به ، وإن لم يفهم معناه))().
القاعدة التاسعة عشرة :
((باب الأخبار أوسع من باب الصفات ، وما يطلق عليه من الأخبار ؛ لا يجب أن يكون توقيفياً ؛ كالقديم ، والشيء ، والموجود000))().
القاعدة العشرون :
((صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا يقاس عليها))().
فلا يقـاس السخاءُ على الجود ، ولا الجـَلَدُ على القوة ، ولا الاستطاعـةُ
على القدرة ، ولا الرقة على الرحمة والرأفة ، ولا المعرفة على العلم000 وهكذا ؛ لأن صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا يتجاوز فيها التوقيف ؛ كما مر في القاعدة الثالثة.
القاعدة الحادية والعشرون :
صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا حصر لها ؛ لأن كل اسم يتضمن صفة - كما مرَّ في القاعدة الثامنة - ، وأسماء الله لا حصر لها ، فمنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده.
المبحث الثالث
أنواع الصفات(1)
يمكن تقسيم صفات الله عَزَّ وجَلَّ إلى ثلاثة أقسام() :
أولاً : من حيث إثباتها ونفيها.
ثانياً : من حيث تعلقها بذات الله وأفعاله.
ثالثاً : من حيث ثبوتها وأدلتها.
وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة ينقسم إلى نوعين :
أولاً : من حيث إثباتها ونفيها :
أ - صفات ثبوتيه :
وهي ما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه ، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ كالاستواء ، والنُّزُول ، والوجه ، واليد 000ونحو ذلك ، وكلها صفات مدح وكمال ، وهي أغلب الصفات المنصوص عليها في الكتاب والسنة ، ويجب إثباتها.
ب- صفات سلبية :
وهي ما نفاه الله عن نفسه ، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكلـها صفات نقص ؛ كالموت ، والسِّنة ، والنوم ، والظلم000وغالباً تأتي في الكتاب أو السنة مسبوقة بأداة نفي ؛ مثل (لا) و (ما) و (ليس) ، وهذه تُنفى عن الله عَزَّ وجَلَّ ، ويُثبت ضدها من الكمال.
ثانياً : من حيث تعلقها بذات الله وأفعاله :
أ - صفات ذاتِيَّة :
وهـي التي لم يزل ولا يزال الله متصفاً بها ؛ كالعلم ، والقدرة ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والوجه ، واليدين000ونحو ذلك.
ب- صفات فعليَّة :
وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله وقدرته ، إن شاء فعلها ، وإن شاء لم يفعلها ؛ كالمجيء ، والنُّزُول ، والغضب ، والفرح ، والضحك 000 ونحو ذلك ، وتسمى (الصفات الاختيارية).
وأفعاله سبحانه وتعالى لا منتهى لها ، (وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء( ، وبالتالي صفات الله الفعليَّة لا حصر لها.
والصفات الفعليَّة من حيث قيامها بالذات تسمى صفات ذات ، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال ، ومن أمثلة ذلك صفة الكلام ؛ فكلام الله عَزَّ وجَلَّ باعتبار أصله ونوعه صفة ذات ، وباعتبار آحاد الكلام وأفراده صفة فعل.
ثالثاً : من حيث ثبوتها وأدلتها :
أ - صفات خبرية :
وهي الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلا السمع والخبر عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتسمى (صفات سمعية أو نقلية) ، وقد تكون ذاتِيَّة ؛ كالوجه ، واليدين ، وقد تكون فعليَّة ؛ كالفرح ، والضحك.
ب - صفات سمعية عقلية :
وهي الصفات التي يشترك في إثباتها الدليل السمعي (النقلي) والدليل العقلي ، وقد تكون ذاتِيَّة ؛ كالحياة والعلم ، والقدرة ، وقد تكون فعليَّة ؛ كالخلق ، والإعطاء.
((((
المبحث الرابع
ثمرات الإيمان بصفات الله عَزَّ وجَلَّ
اعلـم – وفقني اللهُ وإيَّاك – أن العلم بصفات الله عَزَّ وجَلَّ ، والإيمان بها ، علـى ما يليق به سبحانه ، وتدبرها : يورث ثمرات عظيمة وفوائد جليلة، تجعل صاحبها يذوق حلاوة الإيمان ، وقد حُرِمها قوم كثيرون من المعطِّلة والمؤوِّلة والمشبهة ، وإليك بعضاً منها :
1- فمن ثمرات الإيمان بصفات الله عَزَّ وجَلَّ : أن العبد يسعى إلى الاتصاف والتحلِّي بها على ما يليق به ؛ لأنه من المعلوم عند أرباب العقول أن المحب يحب أن يتصف بصفات محبوبه ؛ كما أن المحبوب يحب أن يتحلَّى مُحِبُّهُ بصفاته ؛ فهذا يدعو العبد المحب لأن يتصف بصفات محبوبه ومعبوده كلٌّ على ما يليق به ، فالله كريم يحب الكرماء ، رحيم يحب الرحماء ، رفيق يحب الرفـق، فإذا علم العبد ذلك ؛ سعى إلى التحلي بصفات الكرم والرحمة والرفق، وهكذا في سائر الصفات التي يحب الله تعالى أن يتحلَّى بها العبد على ما يليق بذات العبد.
2- ومنها : أن العبد إذا آمن بصفة ( الحب والمحبة ) لله تعالى وأنه سبحانه ( رحيم ودود ) استأنس لهذا الرب ، وتقرَّب إليه بما يزيد حبه ووده له ، (( ولا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه )) وسعى إلى أن يكون ممن يقول الله فيهم : ((يا جبريل إني أُحبُّ فلاناً فأحبَّه ، فيُحبُّه جبريل ، ثم ينادي في السماء : إن الله يحبُّ فلاناً فأحبوه ، فيُحبُّه أهلُ السماء ثم يوضع له القبول في الأرض)) و من آثار الإيمان بهذه الصفة العظيمة أن من أراد أن يكون محبوباً عند الله اتبع نبيه صلى الله عليه وسلم (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ( وحبُّ الله للعبد مرتبطٌ بحبِ العبدِ لله ، وإذا غُرِست شجرةُ المحبة في القلب ، وسُقيت بماء الإخلاص ، ومتابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، أثمرت أنواعَ الثمار ، وآتت أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربها .
3- ومنها : أنه إذا آمن العبد بصفات (العلم ، والإحاطة ، والمعية) ؛ أورثه ذلك الخوف من الله عَزَّ وجَلَّ المطَّلع عليه الرقيب الشهيد ، فإذا آمن بصفة (السـمع) ؛ علم أن الله يسمعه ؛ فلا يقول إلا خيراً ، فإذا آمن بصفات (البصر ، والرؤية ، والنظر ، والعين) ؛ علم أن الله يراه ؛ فلا يفعل إلا خيراً ؛ فما بالك بعبد يعلم أن الله يسمعه ، ويراه ، ويعلم ما هو قائله وعامله ، أليس حريٌّ بهذا العبد أن لا يجده الله حيث نهاه ، ولا يفتقده حيث أمره؟! فإذا علم هذا العبد وآمن أن الله (يحبُّ ، ويرضى) ؛ عمل ما يحبُّه معبوده ومحبوبه وما يرضيه ، فإذا آمن أن من صفاته (الغضب ، والكره ، والسخط ، والمقت ، والأسف ، واللعن) ؛ عمل بما لا يُغْضب مولاه ولا يكرهه حتى لا يسخط علـيه ويمقته ثم يلعنه ويطرده من رحمته ، فإذا آمن بصفات (الفرح ، والبشبشة ، والضحك) ؛ أنس لهذا الرب الذي يفرح لعباده ويتبشبش لهم ويضحك لهم ؛ ما عدمنا خيراً من ربًّ يضحك.
4- ومنها : أنه إذا علم العبد وآمن بصفات الله من (الرحمة ، والرأفة ، والتَّوْب ، واللطف ، والعفو ، والمغفرة ، والستر ، وإجابة الدعاء) ؛ فإنه كلما وقع في ذنب ؛ دعا الله أن يرحمه ويغفر له ويتوب عليه ، وطمع فيما عند الله من سترٍ ولطفٍ بعباده المؤمنين ، فأكسبه هذا رجعة وأوبة إلى الله كلما أذنب ، ولا يجد اليأس إلى قلبه سبيلاً ، كيف ييأس من يؤمن بصفات (الصبر ، والحلم)؟! كيف ييأس من رحمة الله من علم أن الله يتصف بصفة (الكرم ، والجود ، والعطاء)؟!.
5-ومنها : أن العبد الذي يعلم أن الله متصف بصفات (القهر ، والغلبة ، والسلطان ، والقدرة ، والهيمنة ، والجبروت) ؛ يعلم أن الله لا يعجزه شيء ؛ فهو قادر على أن يخسف به الأرض ، وأن يعذبه في الدنيا قبل الآخرة ؛ فهو القاهر فوق عباده ، وهو الغالب من غالبه ، وهو المهيمن على عباده ، ذو الملكوت والجبروت والسلطان القديم ؛ فسبحان ربي العظيم.
6-ومن ثمرات الإيمان بصفات الله عَزَّ وجَلَّ أن يظل العبد دائم السؤال لربه ، فإن أذنب ؛ سأله بصفات (الرحمة ، والتَّوب ، والعفو ، والمغفــرة) أن يرحمه ويتوب عليه ويعفو عنه ويغفر له ، وإن خشي على نفسه من عدو متجهم جبار ؛ سأل الله بصفات (القوة ، والغلبة ، والسلطان ، والقهر ، والجبروت) ؛ رافعاً يديه إلى السـماء ، قائلاً : يا رب! يا ذا القوة والسلطان والقهر والجبروت! اكفنيه. فإن آمــن أن الله (كفيل ، حفيظ ، حسيب ، وكيل) ؛ قال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، وتوكل على (الواحد ، الأحد ، الصمد) ، وعلم أن الله ذو (العزة ، والشدة ، والمحال ، والقوة ، والمنعة) مانعه من أعدائه ، ولن يصلوا إليه بإذنه تعالى ، فإذا أصيب بفقر ؛ دعا الله بصفات (الغنى ، والكرم ، والجود ، والعطاء) ، فإذا أصيب بمرض ؛ دعاه لأنه هو (الطبيب ، الشافي ، الكافي) ، فإن مُنع الذُرِّيَّة ؛ سأل الله أن يرزقه ويهبه الذرية الصالحة ؛ لأنه هو (الرَّزَّاق ، الوهَّاب) … وهكذا فإنَّ من ثمرات العلم بصفات الله والإيمان بها دعاءه بها.
7-ومنها : أن العبد إذا تدبر صفات الله من (العظمة ، والجلال ، والقوة ، والجبروت ، والهيمنة) ؛ استصغر نفسه ، وعلم حقارتها ، وإذا علم أن الله مختص بصفة (الكبرياء) ؛ لم يتكبَّر على أحد ، ولم ينازع الله فيما خصَّ نفسه من الصفات ، وإذا علم أن الله متصف بصفة (الغنى ، والملك ، والعطاء) ؛ استشعر افتقاره إلى مولاه الغني ، مالك الملك ، الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء.
8-ومنها : أنه إذا علم أن الله يتصف بصفة (القوة ، والعزة ، والغلبة)، وآمن بها ؛ علم أنه إنما يكتسب قوته من قوة الله ، وعزته من عزة الله ؛ فلا يذل ولا يخنع لكافر ، وعلم أنه إن كان مع الله ؛ كان الله معه ، ولا غالب لأمر الله.
9-ومن ثمرات الإيمان بصفات الله : أن لا ينازع العبدُ اللهَ في صفة (الحكم ، والألوهية ، والتشريع ، والتحليل ، والتحريم) ؛ فلا يحكم إلا بما أنزل الله ، ولا يتحاكم إلا إلى ما أنزل الله . فلا يحرِّم ما أحلَّ الله ، ولا يحل ما حرَّم الله.
10-ومنها : أن صفات (الكيد ، والمكر ، والاستهزاء ، والخداع) إذا آمن بها العبد على ما يليق بذات الله وجلاله وعظمته ؛ علم أن لا أحد يستطيع أن يكيد لله أو يمكر به ، وهو خير الماكرين سبحانه ، كما أنه لا أحد من خلقه قادر على أن يستهزئ به أو يخدعه ، لأن الله سيستهزئ به ويخادعه ومن أثر استهزاء الله بالعبد أن يغضب عليه ويمقته ويعذبه ، فكان الإيمان بهذه الصفات وقاية للعبد من الوقوع في مقت الله وغضبه.
11- ومنها : أن العبد يحرص على ألاَّ ينسى ربه ويترك ذكره ، فإن الله متصف بصفة (النسيان ، والترك) ؛ فالله قادرٌ على أن ينساه – أي : يتركه، (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ( ، فتجده دائم التذكر لأوامره ونواهيه.
12- ومنها أن العبد الذي يعلم أن الله متصف بصفة (السلام ، والمؤمن ، والصِّدق) ؛ فإنه يشعر بالطمأنينة والهدوء النفسي ؛ فالله هو السلام، ويحب السلام ، فينشر السلام بين المؤمنين ، وهو المؤمن الذي أمِنَ الخلقُ من ظلمه ، وإذا اعتقد العبد أن الله متصف بصفة (الصَّدق) ، وأنه وعده إن هو عمل صالحاً جنات تجري من تحتها الأنهار ؛ علم أن الله صادق في وعده ، لن يخلفه ، فيدفعه هذا لمزيدٍ من الطاعة ، طاعة عبدٍ عاملٍ يثقُ في سيِّده وأجيرٍ في مستأجره أنَّه موفيه حقَّه وزيادة .
13- ومنها : أن صفات الله الخبرية كـ (الوجه ، واليدين ، والأصابع، والأنامل ، والقدمين ، والساق ، وغيرها) تكون كالاختبار الصعب للعباد ، فمن آمن بها وصدق بها على وجه يليق بذات الله عَزَّ وجَلَّ بلا تمثيل ولا تحريف ولا تكييف ، وقال : كلُّ من عند ربنا ، ولا فرق بين إثبات صفة العلم والحياة والقدرة وبين هذه الصفات ، مَن هذا إيمانه ومعتقده؛ فقد فاز فوزاً عظيماً ، ومن قدَّم عقله السقيم على النقل الصحيح ، وأوَّل هذه الصفات ، وجعلها من المجاز ، وحرَّف فيها ، وعطَّلها ؛ فقد خسر خسراناً مبيناً ، إذ فرَّق بين صفة وصفة ، وكذَّب الله فيما وصف به نفسه ، وكذَّب رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلو لم يكن من ثمرة الإيمان بهذه الصفات إلا أن تُدخل صاحبها في زمرة المؤمنين الموحِّدين ؛ لكفى بها ثمرة ، ولو لم يكن من ثمراتها إلا أنها تميِّز المؤمن الحق الموحِّد المصدِّق لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبين ذاك الذي تجرَّأ عليهما ، وحرَّف نصوصهما ، واستدرك عليهما ؛لكفى، فكيف إذا علمت أن هناك ثمراتٍ أخرى عظيمةً للإيمان بهذه الصفات الخبرية ؛ منها أنك إذا آمنت أن لله وجهاً يليق بجلاله وعظمته ، وأن النظر إليه من أعظم ما ينعم الله على عبده يوم القيامة ، وقد وعد به عباده الصالحين ؛ سألت الله النظر إلى وجهه الكريم ، فأعطاكه ، وأنك إذا آمنت أن لله يداً ملأى لا يغيضها نفــقة ، وأن الخير بين يديه سبحانه ؛ سألته مما بين يديه ، وإذا علمت أن قلبك بين إصبعين من أصابع الرحمن ؛ سألت الله أن يثبت قلبك على دينه 000 وهكذا.
14- ومن ثمرات الإيمان بصفات الله عَزَّ وجَلَّ : تَنْزِيه الله وتقديسه عن النقائص ، ووصفه بصفات الكمال ، فمن علم أن من صفاته (القُدُّوس ، السُّبُّوح )؛ نَزَّه الله مـن كلِّ عيبٍ ونقصٍ ، وعلم أن الله( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء(
15- ومنها : أن من علم أن من صفات الله (الحياة ، والبقاء) ؛ علم أنه يعبد إلهاً لا يموت ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، فأورثه ذلك محبة وتعظيماً وإجلالاً لهذا الرب الذي هذه صفته.
16- ومن ثمرات الإيمان بصفة (العلو ، والفوقية ، والاستواء على العرش ، والنُّزُول ، والقُرب ، والدُّنُو) ؛ أن العبد يعلم أن الله منـزه عن الحلول بالمخلوقات ، وأنه فوق كل شيء ، مطَّلع على كل شيء ، بائن عن خلقه ، مستو على عرشه ، وهو قريب من عبده بعلمه ، فإذا احتاج العبد إلى ربه ؛ وجده قريباً منه ، فيدعوه ، فيستجيب دعاءه ، وينـزل إلى السماء الدنيا في الثلث الآخـر من الليل كما يليق به سبحانه ، فيقول : من يدعوني فأستجب له ، فيورث ذلك حرصاً عند العبد بتفقد هذه الأوقات التي يخلو فيها مع ربه القريب منه ، فهو سبحانه قريب في علوه ، بعيد في دنوه.
17- ومنها أن الإيمان بصفة (الكلام) وأن القرآن كلام الله يجعل العبد يستشعر وهو يقرأ القرآن أنه يقرأ كلام الله ، فإذا قرأ : (يا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ( ؛ أحسَّ أن الله يكلمه ويتحدث إليه ، فيطير قلبه وجلاً ، وأنه إذا آمن بهذه الصفة ، وقرأ في الحديث الصحيح أن الله سيكلمه يوم القيامة ، ليس بينه وبينه ترجمان ؛ استحى أن يعصي الله في الدنيا ، وأعد لذلك الحساب والسؤال جواباً.
وهكذا ؛ فما من صفة لله تعالى ؛ إلا وللإيمان بها ثمرات عظيمة ، وآثار كبيرة مترتبة على ذلك الإيمان ؛ فما أعظم نعم الله على أهل السنة والجماعة الذين آمنوا بكل ذلك على الوجه الذي يليق بالله تعالى!.
الصفات
الأوَّلِيَّةُ
صفةٌ ذاتيةٌ لله عَزَّ وجَلَّ ، وذلك من اسمه (الأوَّل) ، الثابت في الكتاب والسنة ، ومعناه : الذي ليس قبله شيء.
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ((000 اللهم أنت الأوَّل ؛ فليس قبلك شيء 000)). رواه مسلم (2713).
قال ابن القيم في ((طريق الهجرتين)) (ص 27) :
((فأوليَّةُ الله عَزَّ وجَلَّ سابقة على أوليَّةِ كل ما سواه ، وآخريَّتُه ثابتةٌ بعد آخرِيَّةِ كل ما سواه ، فأوليَّتُه سَبْقُه لكل شيء ، وآخريَّتُه بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريَّتُه سبحانه فوقيَّتُه وعلوه على كل شيء ، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه ، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء ، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه ، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه ، هذا لون وهذا لون ، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة ، وهي إحاطتان : زمانيَّة ، ومكانيَّة ، فإحاطة أوليَّتِه وآخريَّتِه بالقَبْلِ والبَعْدِ ، فكل سابق انتهى إلى أوليَّتِه ، وكلُ آخرٍ انتهى إلى آخريَّتِه ، فأحاطت أوليَّتُه وآخريَّتُه بالأوائل والأواخر ، وأحاطت ظاهريَّتُه وباطنيَّتُه بكلِّ ظاهرٍ وباطن، فما من ظاهرٍ إلا والله فوقه ، وما من باطن إلا والله دونه ، وما من أولٍ إلا والله قبله ، وما من آخرٍ إلا والله بعده ، فالأوَّلُ قِدَمُه ، والآخرُ دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته ، والباطن قربه ودنوه ، فسبق كلَّ شيء بأوليَّته ، وبقي بعد كلُّ شيء بآخريَّتِه ، وعلا على كل شيء بظهوره ، ودنا من كل شيء ببطونه ، فلا تواري منه سماءٌٌٌ سماءً ، ولا أرضٌ أرضاً ، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطناً ، بل الباطنُ له ظاهر ، والغيبُ عنده شهادة ، والبعيدُ منه قريب ،والسرُّ عنده علانية ، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد ، فهو الأوَّل في آخريَّتِه ، والآخر في أوليَّتِه ، والظاهر في بطونه ، والباطن في ظهوره، لم يزل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً)).
1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( 000 وإن تقرَّب إليَّ ذراعـاً ؛ تقرَّبت إليه باعاً ، وإن أتاني يمشـي ؛ أتيتُه هرولةً)). رواه : البخاري (7405) ، ومسلم (2675).
2- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الرؤية : (( 000 قال : فيأتيهم الجبَّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ، فيقول : أنا ربكم 000 )) . رواه البخاري (7439) ، ومسلم (183).
قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى :
((اختُلِف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قولـه : (هَل يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ( فقال بعضهم : لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه عَزَّ وجَلَّ من المجيء والإتيان والنُّزُول ، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحدٍ إلا بخبرٍ من الله جل جلاله أو من رسولٍ مرسل ، فأما القول في صفات الله وأسمائه ؛ فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج ؛ إلا بما ذكرنا.وقال آخرون : 000)) ثم رجَّح القول الأوَّل.
وقال أبو الحسن الأشعري في ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص227) : ((وأجمعوا على أنه عَزَّ وجَلَّ يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً 000 )) اهـ.
وقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس في ((شرح الواسطية)) (ص112) بعد أن ذكر شيخ الإسلام الآيات السابقة : ((في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل ، وهما صفتا الإتيان والمجيء ، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقته ، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل))اهـ
وانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع).
فائدة : لقد جاءت صفتا الإتيان والمجيء مقترنتين في حديثٍ واحدٍ ، رواه مسلم (2675-3) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ((إذا تلقَّاني عبدي بشبرٍ ؛ تلقَّيْته بذراع ، وإذا تلقَّاني بذراع ، تلقَّيْته بباع ، وإذا تلقَّاني بباع ، جئتُه أتيتُه بأسرع)).
قال النووي : ((هكذا هو في أكثر النسخ : ((جئتُه أتيتُه)) ، وفي بعضها ((جئتُه بأسرع)) فقط ، وفي بعضها : ((أتيتُه)) ، وهاتان ظاهرتان ، والأوَّل صحيح أيضاً ، والجمع بينهما للتوكيد ، وهو حسن ، لاسيما عند اختلاف اللفظ ، والله أعلم)).
1- حديث : ((لا يزال يستجاب للعبد ؛ ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحـم ؛
ما لم يستعجل)). قيل : يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال : ((يقول : قد دعوتُ وقد دعوتُ فلم أر يستجيب لي ، فيستحسِر عند ذلك ، ويدع الدعاء)). رواه مسلم (2735).
2- حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : (( 000 ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود فإذا ركعتم فعظموا ربكم وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء فإنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم)) رواه النسائي. انظر : ( صحيح سنن النسائي 1072)
قال الحافظ ابن القيم في ((النونية)) (2/87) :
ـهُ أنا المجُيبُ لِكُلِّ مَنْ نَادَانِييَدْعُوهُ في سِــرٍّ وفي إعْـلانِ))
((وَهُوَ المجُيبُ يَقُوُلُ من يَدْعُو أُجِبْـوَهُوَ المجُيــــبُ لِدَعْوَةِ المُضْـــطَّرِّ إذْ
قال الشيخ الهرَّاس في شرح هذه الأبيات : ((ومن أسمائه سبحانه (المجيب) وهو اسم فاعل من الإجابة ، وإجابته تعالى نوعان : إجابة عامة لكل من دعاه دعاء عبادة أو دعاء مسألة000)).
وقال الشيخ السعدي في ((التفسير)) (5/304) : ((000 ومن آثاره الإجابة للداعين والإنابة للعابدين ؛ فهو المجيب إجابة عامة للداعين مهما كانوا، وعلى أي حال كانوا ؛ كما وعدهم بهذا الوعد المطلق ، وهو المجيب إجابة خاصة للمستجيبين له ، المنقادين لشرعه ، وهو المجيب أيضاً للمضطرين ومن انقطع رجاؤهم من المخلوقين وقويَ تعلقهم به طمعاً ورجاءً وخوفاً)).
الإِحَاطَةُ
انظر : (المحيط).
الأَحَدُ
يوصف الله جل وعلا بأنه الأحد ، وهو اسمٌ له سبحانه وتعالى.
1- الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه : (( 000 وأما شتمه إياي ؛ فقولـه : اتخذ الله ولداً ، وأنا الله الأحد الصمد ، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد)). رواه البخاري (4974).
2- حديث بريدة رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله ، لا إله إلا أنت ، الأحد الصمد000)) ((صحيح سنن الترمذي)) (1324).
معنـاه :
1- الذي لا شبيه له ولا نظير. قاله : البيهقي في ((الاعتقاد)) (ص 67).
2- الأحد : الفرد. قاله : ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (4/180).
3- الذي لا نظيرله ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل ، ولا يطلق هذا اللفظ على أحدٍ في الإثبات إلا على الله عَزَّ وجَلَّ ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. قاله : ابن كثير في تفسير سورة الإخلاص.
الإِحْسَانُ
صفةٌ من صفات الله عَزَّ وجَلَّ الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة ، والإحسان يأتي بمعنيين :
1- حديث أنس رضي الله عنه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا حكمتم ؛ فاعدلوا، وإذا قتلتم ؛ فأحسنوا ؛ فإن الله مُحْسِنٌ يحب الإحسان)). رواه : ابن أبي عاصم في ((الدِّيَّات)) (ص 94) ، وابن عدي في ((الكامل)) (6/2145) ، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (2/113) ، والطبراني في ((الأوسط)) (2552-مجمع البحرين) ؛ وعند بعضهم : ((يحب المحسنين)). انظر : ((السلسلة الصحيحة)) (469).
2- حديث شداد بن أوس رضي الله عنه ؛ قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين ؛ أنه قال : ((إن الله عَزَّ وجَلَّ مُحْسِنٌ يحب الإحسان ، فإذا قتلتم ؛ فأحسنوا القتلة 000 )). رواه : عبدالرزاق في ((المصنف)) (8603) ، وعنه الطبراني في ((الكبير)) (7121) ؛ وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1824).
3- حديث الحسن عن سمرة مرفوعاً : ((إن الله عَزَّ وجَلَّ مُحْسِنٌ ؛ فأحسنوا ، فإذا قتل أحدكم000)) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (6/2419) من ، والحسن لم يسمع من سمرة ، ولكن يتقوى بما سبق ، والحديث صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1823).
1- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً : ((يأخذ الله عَزَّ وجَلَّ سماواته وأراضيه بيديه ، فيقول : أنا الله (ويقبض أصابعه ويبسطها ؛ أي : النبي صلى الله عليه وسلم) ، أنا الملك)). رواه مسلم (2788-25 و 26).
2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ((وما تصدق أحد بصدقة من طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطَّيِّب ؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه 000 )). رواه مسلم (1014).
قال ابن فارس في ((معجم مقاييس اللغة)) (1/68) : ((الهمزة والخاء والذال أصل واحد تتفرع منه فروع متقاربة في المعنى. أما (أخْذ) ؛ فالأصل حَوْزُ الشيء وجَبْيه وجَمْعه ، تقول أخذت الشيء آخذه أخذاً.قال الخليل : هو خلاف العطاء ، وهو التناول)) اهـ.
فالأخذ إمَّا أن يكون خلاف العطاء ، وهو ما كان باليد كالعطاء ، وإما أخذ قهر ؛ كقولـه تعالى : ( فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى( ، و قولـه تعالى : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى( ، و منه أخذ الأرواح ، وأخذ العهود والمواثيق ، وانظر : ((مفردات الراغب)) ، وهذا المعنى ظاهر ، والمعنيُّ هنا المعنى الأوَّل ، وكلاهما صفة لله تعالى.
قال ابن القيم في ((مختصر الصواعق المرسلة)) (2/171) : ((ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع وروداً متنوعاً متصرفاً فيه ، مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقية؛ من الإمساك ، والطـي ، والقبض ، والبسط 000 وأخذ الصدقة بيمينه 000 وأنه يطـوي السماوات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى 000 ))اهـ.
وفي شرح حديث : (( 000 اللهم أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ، أنت الأوَّل فليس قبلك شيء000 )) ؛ قال الشيخ عبد العزيز السلمان في ((الكواشف الجلية)) (ص 487) مما يستفاد من الحديث : ((صفة الأخذ)).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في ((القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى)) (ص30) ((من صفات الله تعالى المجيء والإتيان والأخذ والإمساك والبطش إلى غير ذلك من الصفات 000 فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد ))
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ((ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنَّى بالقرآن يجهر به)).
رواه : البخاري (7482) ، ومسلم (792-234) ، واللفظ له.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)) (1/282) بعد أن أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناده :
((أما قولـه ((كأَذَنِه)) ؛ ((يعني : ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبيٍ يتغنى بالقرآن ، حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قولـه تعالى : (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ( ؛ قال : سمِعَتْ.أو قال : استمعت.شكَّ أبو عبيد. يُقال : أذنتُ للشيء ءآذَنُ له أذَناً : إذا استمعتُه000 ))اهـ.
وقال البغوي في ((شرح السنة)) (4/484) : ((قولـه : ((ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه)) يعني : ما استمع الله لشيء كاستماعه ، والله لا يشغله سمع عن سمع ، يقال : أذِنْتُ للشيء آذَنُ أذَناً بفتح الذال : إذا سمعت له000 )).
وقال الخطابي في ((غريب الحديث)) (3/256) : (( قولـه : (( ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن)) الألف والذال مفتوحتان ، مصـدر أذِنْتُ للشيء أذناً : إذا استمعـت لـه، ومن قال : ((كإذنه))فقد وهم))اهـ
وقال ابن كثير في ((فضائل القرآن)) (ص114-116) بعد أن أورد حديث : ((لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن)) قال : (( 000 ومعناه أنَّ الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها ، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية ، وذلك هو الغاية في ذلك ، وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم ، كما قالت عائشة رضي الله عنها : سبحان الذي وسع سمعه الأصوات ، ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم ؛ كما قال تعالى : (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ( الآية ، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ ؛ كما دل عليه هذا الحديث العظيم ، ومنهم من فسر الأذَن ها هنا بالأمر، والأوَّل أولى ؛ لقولـه : ((ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن)) ؛ أي : يجهر به ، والأذَن : الاستماع ؛ لدلالة السياق عليه 000 ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجه بسند جيد عن فضالة بن عبيد ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لله أشد أذَناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنةِ إلى قينتِه)) اهـ.
قلت : حديث فضالة رُوي بإسنادين ضعيفين :
الأوَّل : منقطع ، من رواية إسماعيـل بن عبيد الله عن فضـالة بن عبيــد ،
رواه أحمد في ((المسند)) (6/19) ، والحاكم في ((المستدرك)) (1/571)
، وقال : ((على شرط البخاري)) ، قال الذهبي : ((قلت : بل هو منقطع)).
والإسناد الثاني : موصول ، رواه ابن ماجه (1340) من طريق إسماعيل بن عبيد الله عن ميسرة مولى فضالة عن فضالة به ، وعلته ميسرة ، قال عنه الذهبي في الميزان : ((ما حدَّث عنه سوى إسماعيل بن عبيد الله)) ، وقال في ((الكاشف)) : ((نكرة)) ، وقال ابن حجر في ((التقريب)) : ((مقبول)).
قال الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (15/16) : ((وفي الحديث : ((ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن)) ، قال أبو عبيد : يعني : ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن.يقال : أذِنْتُ للشيء آذنُ له : إذا استمعت له 000 )).
وقال ابن منظور في ((لسان العرب)) : ((قال ابن سيدة : وأذن إليه أذَنا ً : استمع، وفي الحديث : ((ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن ))، قال أبو عبيد 000. )) ثم ذكر كلام أبي عبيدٍ السابق.
وقال ابن فارس في ((معجم مقاييس اللغة)) (1/76) : ((ويقال للرجل السامع من كلِّ أحدٍ : أُذُن ، قال الله تعالى : (وَمِنْهُمُ الذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ( 000 والأذَن : الاستماع ، وقيل : أذَنٌ ؛ لأنه بالأذُن يكون)) اهـ.
قلت : هذا في حق المخلوقين ، أما الخالق سبحانه وتعالى ؛ فشأنه أعظم، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ( ؛ فنحن نقول : إنَّ الله يأذن أذَناً ؛ أي : يستمع استماعاً بلا كيف.
1- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ؛ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلـم قال : ((وكَّل الله بالرحم ملكاً 000 فإذا أراد الله أن يقضي خلقها ؛ قال 000 )). رواه : البخاري (6595) ، ومسلم (2646).
2-حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إذا أراد الله بقوم عذاباً ؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم)). رواه مسلم (2879).
3- حديث (( 000 إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء ، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء)). رواه مسلم (2846).
4- حديث أبي هريرة رضي الله عنه : (( 000 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)). رواه مسلم (595).
قال أبو الحسن الأشعري في ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص 214) : ((وأجمعوا على إثبات حياة الله عَزَّ وجَلَّ ، لم يزل بها حياً000 )) إلى أن قال : ((وإرادة لم يزل بها مريداً 000 ))اهـ.
وقال شيخ الإسلام في ((التدمرية)) (ص 25) - بعد أن سرد بعض الآيات السابقة وغيرها - : ((000وكذلك وصف نفسه بالمشيئة ، ووصف عبده بالمشيئة000 وكذلك وصف نفسه بالإرادة ، ووصف عبده بالإرادة000ومعلوم أنَّ مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته00))
وله رحمه الله كلام طويل حول هذه الصفة في ((دقائق التفسير)) (5/184-193).
وانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع).
ويجب إثبات صفة الإرادة بقسميها الكوني والشرعي ؛ فالكونية بمعنى المشيئة ، والشرعية بمعنى المحبة. انظر ((القواعد المثلى)) (ص 39).
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( ولخلـوف فم الصــائم أطيب
عند الله من ريح المسك )) رواه البخاري (5583) ومسلم (1151)
قال الحافظ ابن القيم في (( الوابل الصيب)) (1/52)
(( من المعلوم أنَّ أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك فمثَّل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم ، ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين كما أنَّ رضاه وغضبه وفرحه وكراهيته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك كما أنَّ ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم، وهو سبحانه وتعالى يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه والعمل الصالح فيرفعه وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا، ثم إنَّ تأويله لا يرفع الإشكال إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله في الرضا فإن قال : رضا ليس كرضا المخلوقين فقولوا : استطابه ليست كاستطابة المخلوقين وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب))
و قال الشيخ علي الشبل في كتاب ((التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري)) (ص36) - والذي قَرَّظه عددٌ من العلماء و في مقدمتهم الإمام عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- : ((والاستطابة لرائحة خلوف فم الصائم من جنس الصفات العُلى ، يجب الإيمان بها مع عدم مماثلة صفات المخلوقين))
الاسْتِهْزَاءُ بِالْكَافِرِينَ
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله عَزَّ وجَلَّ في كتابه العزيز.
قـال ابن فارس في ((مجمل اللغة)) (ص 904) : ((الهزء : السخرية ، يُقال: هزيءَ به واستهزأ)).
وقال ابن جرير الطبري في تفسير الآية بعد أن ذكر الاختلاف في صفة الاستهزاء : ((والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا : أنَّ معنى الاستهزاء في كلام العرب : إظهار المستهزِيء للمستَهْزَأ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهراً ، وهو بذلك من قِيِله وفعلِه به مورثه مساءة باطناً ، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر 000 )).
ثم قال : (( وأما الذين زعمـوا أنَّ قول الله تعالى ذكره (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ( إنما هو على وجه الجواب ، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة ؛ فنافون عن الله عَزَّ وجَلَّ ما قد أثبته الله عَزَّ وجَلَّ لنفسه وأوجبه لها، وسواءٌ قال قائل : لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به ، أو قال : لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.
ويقال لقائل ذلك : إنَّ الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم ، وأخبرنا عن آخرين أنه خسف بهم ، وعن آخرين أنه أغرقهم ، فصدقنا الله تعالى فيما ذكره فيما أخبرنا به من ذلك ، ولم نفرق بين شيء منه؛ فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرقه وخسف به ، ولم يمكر بمن أخبر أنه قد مكر به؟!))اهـ.
وقال قوَّام السنة الأصبهاني في ((الحجة)) (1/168) : ((وتولى الذب عنهم ( أي : عن المؤمنين ) حين قالوا : (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ، فقال : (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ( ، وقال : (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ( ، وأجاب عنهم فقال : (أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ( ؛ فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب ، وتولى المجازاة لهم ، فقال (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (. وقال(سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ( ؛ لأن هاتين الصفتين إذا كانتا من الله ؛ لم تكن سفهاً ؛ لأن الله حكيم ، والحكيم لا يفعل السفه ، بل ما يكون منه يكون صواباً وحكمة)). اهـ.
وقال شيخ الإسلام في ((الفتاوى)) (7/111) رداً على الذين يدعون أنَّ هناك مجازاً في القرآن : ((وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ (المكر) و(الاستهزاء) و (السخرية) المضاف إلى الله ، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز ، وليس كذلك ، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة ؛ كانت ظلماً له ، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله ؛ كانت عدلاً ؛ كما قال تعالى : (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ( فكاد له كما كادت اخوته لما قال له أبوه (لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً( ، وقال تعالى : (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ( وَأَكِيدُ كَيْدًا( وقال تعالى : (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُون َ( فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ( وقال تعالى : (الذِينَ يَلمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنْ المُؤْمِنِينَ فِي الصـَّدَقَاتِ وَالذِينَ لا يَجـِدُونَ إِلا جُهـْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَـخِرَ اللهُ مِنْهُمْ(
ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلاً يستحق هذا الاسم ؛ كما روى عن ابن عباس ؛ أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار ، فيسرعون إليه ، فيغلق ، ثم يفتح لهم باب آخر ، فيسرعون إليه ، فيغلق ، فيضحك منهم المؤمنون.
وعن الحسن البصري : إذا كان يوم القيامة ؛ خمدت النار لهم كما تخمد الإهالة من القدر ، فيمشون ، فيخسف بهم.
وعن مقاتل : إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب ؛ باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب ، فيبقون في الظلمة ، فيقال لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً.
وقال بعضهم : استهزاؤه : استدراجه لهم.
وقيل : إيقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم.
وقيل : إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة.
وقيل : هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه.
وهذا كله حق ، وهو استهزاء بهم حقيقة)) اهـ.
وانظر كلام ابن القيم في صفة (الخداع) ، وكلامه في ((مختصر الصواعق المرسلة)) (2/34).
1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه ؛ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، فقال : ((يا أبا هريرة!إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش 000 )). رواه النسائي في ((التفسير)) (412) وهو حديث حسن. وانظر : ((مختصر العلو)) (71).
2- حديث قتادة بن النعمان رضي الله عنه ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((لما فرغ الله من خلقه ؛ استوى على عرشه)).
قال ابن القيم في ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (ص 107) : ((روى الخلال في ((كتاب السنة)) بإسناد صحيح على شرط البخاري عن قتادة (ثم ذكره))).
وقال الذهبي في ((العلو)) (52) : ((رواته ثقات)).
وسكت عنه الألباني -رحمه الله- في ((مختصر العلو)).
ومعنى الاستواء : العلو ، والارتفاع ، والاستقرار ، والصعود ؛ كما في ((نونية ابن القيم)) (1/215-هرَّاس) قال رحمه الله :
قد حُصِّلَتْ لِلْفَارِسِ الطَّعَّانِتَفَعَ الذي مَا فِيهِ من نُكْرَانِوأبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الشَّيْبَانِيأَدْرَى مِنَ الجَهْمِيِّ بالقُرْآنِ))
((فَلَهُمْ عِبَارَاتٌ عليها أرْبَــعٌوَهِيَ اسْتَقَرَّ وَقَدْ عَلا وَكَذلِكَ ارْ
وكذاك قد صَعِدَ الذي هُوَ رابِعٌيَخْتَارُ هذا القَوْلَ في تَفْسِــيِرِه
انظر : (( أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة )) للالكائي (2/216- 3/387) ، و((رسالة في الاستواء والفوقية)) لأبي محمد الجويني ، و((دقائق التفسير)) لابن تيمية (5/237-244 ، 6/436-439) ، وانظر أيضاً : صفة (العلو) ، وكلام البغوي في صفة (الأصابع).
1- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن 000 )). رواه مسلم (2654).
2- حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ؛ قال : ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ، فقال : يا أبا القاسم!إن الله يمسك السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع 000 إلى أن قال : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قرأ (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ()). رواه : البخاري (7415) ومسلم (2786).
قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة في كتاب ((التوحيد)) (1/187) : ((باب إثبات الأصابع لله عَزَّ وجَلَّ)) ، وذكر بأسانيده ما يثبت ذلك.
وقال أبو بكر الآجري في ((الشريعة)) (ص 316) : ((باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين إصبعين من أصابع الرب عَزَّ وجَلَّ ، بلا كيف)).
وقال البغوي في ((شرح السنة)) (1/168) بعد ذكر الحديث السابق :
((والإصْبَع المذكورة في الحديث صفةٌ من صفات الله عَزَّ وجَلَّ ، وكذلك
كلُّ ما جاء به الكتاب أو السنَّة من هذا القبيل من صفات الله تعالى ؛ كالنَّفس، والوجه ، والعين ، واليد ، والرِّجل ، والإتيان ، والمجيء ، والنُّزُول إلى السـماء الدنيا ، والاستواء على العرش ، والضحك ، والفرح)) اهـ.
وقال ابن قتيبة في ((تأويل مختلف الحديث)) (ص 245) بعد أن ذكر حديث عبد الله بن عمرو السابق :
((ونحن نقول : إنَّ هذا الحديث صحيح ، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث ؛ لأنه عليه السلام قال في دعائه : ((يا مقلب القلوب!ثبت قلبي على دينك)). فقالت له إحدى أزواجه : أوَ تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال : ((إنَّ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله عَزَّ وجَلَّ)) ، فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى ؛ فهو محفوظ بتينك النعمتين ؛ فلأي شيء دعا بالتثبيت؟ولِمَ احتج على المرأة التي قالت له : أتخاف على نفسك؟ بما يؤكد قولها؟ وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروساً بنعمتين.
فإن قال لنا : ما الإصبع عندك ها هنا؟
قلنا : هو مثل قولـه في الحديث الآخر : ((يحمل الأرض على إصبع)) ، وكذا على إصبعين ، ولا يجوز أن تكون الإصبع ها هنا نعمة، وكقولـه تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ(، ولم يجز ذلك.
ولا نقول : إصبعٌ كأصابعنا ، ولا يدٌ كأيدينا ، ولا قبضةٌ كقبضاتنا ؛ لأن كل شيء منه عَزَّ وجَلَّ لا يشبه شيئاً منا)) اهـ.
فأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى أصابع تليق بـه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(
الإِلَهِيَّةُ والأُلُوهِيَّةُ
صفةٌ ثابتةٌ لله عَزَّ وجَلَّ من اسمه (الله) واسمه (الإله) ، وهما اسمان ثابتان في مواضع عديدة من كتاب الله عَزَّ وجَلَّ.
وأصل كلمة (الله) إلاه كما رجَّحَه ابن القيم في ((بدائع الفوائد)) ، وإلاه بمعنى مألوه ؛ أي : معبود ؛ ككتاب بمعنى مكتوب.
والإلهية أو الألوهية صفة مأخوذة من هذين الاسمين.
قال الحافظ ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (1/34) عند الحديث عن أسماء الله تعالى (الله) ، (الرب) ، (الرحمن) ؛ قال : (( 000 فالدين والشرع والأمر والنهي مظهره وقيامه من صفة الإلهية ، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية ، والجزاء والثواب والعقاب والجنة والنار من صفة الملك )).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في ((التفسير)) (5/298) : ((الله : هو المألوه المعبود ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال)).
الأَمْرُ
صفةٌ لله عَزَّ وجَلَّ ؛ كما قال في محكم تَنْزِيله (أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأمْرُ( (الأعراف : 54) ؛ إلا أنَّ هذا لا يعني أنه كلما ذكرت كلمة (الأمر) في الكتاب أو السنة مضافة إلى الله ؛ مثل(أمر الله) أو (الأمر لله) ؛ أنها صفة له.
لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) (6/17) مثبتاً لهذه الصفة ومنبهاً لهذه القاعدة بقولـه : ((000 لفظة (الأمر) ؛ فإن الله تعالى لما أخبر بقولـه : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(، وقـال : (أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأمْرُ(، واستدل طوائف من السلف على أنَّ الأمر غير مخلوق، بل هو كلامه ، وصفة من صفاته بهذه الآية وغيرها ؛ صار كثير من الناس يطرد ذلك في لفظ الأمر حيث ورد ، فيجعله صفة ، طرداً للدلالة ، ويجعل دلالته على غير الصفة نقضاً لها ، وليس الأمر كذلك ؛ فبينت في بعض رسائلي أنَّ الأمر وغيره من الصفات يطلق على الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى ؛ فالرحمة صفة لله ، ويسمى ما خلق رحمة ، والقدرة من صفات الله تعالى ، ويسمى المقدور قدرة ، ويسمى تعلقها بالمقدور قدرة ، والخلق من صفات الله تعالى ، ويسمى (المخلوق) خلقاً ، والعلم من صفات الله ، ويسمى المعلوم أو المتعلِّق علماً ؛ فتارة يراد الصفة ، وتارة يراد متعلقها ، وتارة يراد نفس التعلُّق)) اهـ.
وقال أبو الحسن الأشعري في ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص 221) : ((وأجمعوا على أنَّ أمره عَزَّ وجَلَّ وقولـه غير محدث ولا مخلوق ، وقد دلَّ الله تعالى على صحة ذلك بقولـه تعالى : (أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ( ))اهـ.
الإِمْسَاكُ
يوصف الله عَزَّ وجَلَّ بأنه يمسك السماواتِ والأرضَ وغيرهما إمساكاً يليق بجلاله وعظمته ، وهي صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب :
قولـه تعالى : (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا([فاطر:41]