أفضل نسخة لصحيح البخاري: الطبعة الأميرية ببولاق وتسمى السلطانية نسبة إلى السلطان عبدالحميد الثاني الذي أمر بطبعها عام 1311هـ
المزيد
القائمة البريدية
الوقت المستغرق في البحث (بالثانية):
مختصر كتاب الاعتصام للشاطبي
مقدمة
مقدمة الكتاب
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا ، مَن يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضلل فلا هاديَ له ، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ؛
أما بعد ؛ فإنَّ خيرَ الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد فإن كتاب " الاعتصام " للإمام أبي اسحاق الشاطبي يعد من أفضل ما أولف في معنى البدعة وذم البدع وسوء منقلب أهلها ، وانواعها وأحكامها والفرق بينها وبين المصالح المرسله وغير ذلك من مسائل تتعلق بالبدعه وأهلها ، فشيخ الاسلام ابن تيميه وإن كان له كلام جليل القدر عظيم الفائدة في موضوع البدعه الا انه متفرق في كتبه ورسائله وفتاويه لا يجمعه كتاب واحد ، فحري بكل طالب علم وصاحب سنه أن يقرأ هذا الكتاب ويتدارسه ، والكتاب فيه من الاطالة والاستطرادات ما يشرد به ذهن القارئ ويتشتت ، فقد أكثر المؤلف فيه من الاستشهاد بالآيات والاحاديث والاثار الصحيح منها والضعيف أحياناً والاقوال والقصص والاخبار والامثله والتفريعات ما يجعل اختصاره امراً مهماً مُلحاً ، وقد ترددت كثيراً في ذلك لما لفن الاختصار والتهذيب من صعوبه وتبعيه وخطورة ولكن لما نظرت الى الكتاب وما فيه مما سبق ذكره ونظرت الى ضعف الهمم وكثرة الشواغل لدى كثير منا ولا حول ولا قوة الا بالله رايت أنه يتحتم علي وقد كنت قرأت الكتاب أكثر من مرة أن الخصه وأهذبه دون أن أخل بشيء من معانيه . وقد قال بعضهم : " إن التأليف على سبعه أقسام لا يؤلف عالم عاقل الا فيها وذكر منها : ... أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه () فاستخرت الله واستعنت به على عمل هذا المختصر وظللت فترة وأنا أقرأ منه وأحذف هذا تارة واعيد ذاك تارة واربط بين جملة أو جمل في صفحه مع جمل أخرى تبعد عنها عدة صفحات من الاستطرادات والتطويلات التي ملأ بها المؤلف كتابه فأختار آية أو آيتين من عشرة أو أكثر تؤدي الغرض الذي من أجلها ساقها المصنف وكذلك أفعل بالأحاديث والآثار حاذفاً منها كل ما لم يصح سنده مختاراً بعض ما صح مما يؤدي الغرض وكذا في الأمثله والأقوال ولا أدع فكرة أو مقصداً للمصنف إلا وأوردها مسترشداً قول ابن خلــــدون في المقدمه : " إن الناس حصروا مقاصد التأليف التي ينبغي اعتمادها والغاء ما سواها ، فعدوها سبعه : وذكر منها : أن يكون الشيء من التواليف التي هي أمهات للفنون مطولا مسهباً ، فيقصد بالتأليف تلخيص ذلك بالاختصار والايجاز وحذف المتكرر إن وقع مع الحذر من حذف الضروري لئلا يخل بمقصد المؤلف الاول .. " () حتى ظهر الكتاب بالشكل الذي بين يديك والذي يمثل في حجمه ربع الكتاب الاصلي تقريباً . هذا وقد طبع الكتاب عدة طبعات منها :
1 - طبعه السيد محمد رشيد رضا . وقد طبع الكتاب سنه 1332هـ في مجلدين مجموع صفحاته 745 صفحه ، وقد اعتمد فيه المحقق على نسخه بخط مغربي للشيخ محمد محمود الشنقيطي ، وكل من جاء بعده اعتمد على هذه الطبعه .
2 - طبعه دار ابن عفان للنشر والتوزيع بالخبر - السعوديه سنه 1412هـ تحقيق سليم بن عيد الهلالي وقد اعتمد على نسخه خطيه مغربيه وطبعه السيد رشيد رضا ، وتقع هذه الطبعه في مجلدين عدد صفحاتها 893 صفحه .
3 - طبعه ... الخاني - الرياض - السعوديه سنه 1416هـ تحقيق مصطفى أبو سليمان الندوي وقد اعتمد على طبعه السيد رشيد رضا فقط . وتقع هذه الطبعه في مجلدين عدد صفحاتها 884 صفحه.
4 - طبعه دار الكتاب العربي سنه 1417هـ تحقيق عبد الرزاق المهدي وقد اعتمد على طبعه السيد رشيد رضا فقط . وتقع هذه الطبعه في مجلد واحد عدد صفحاته 591 صفحه .
5 - بدر التمام في اختصار الاعتصام ، لأبي عبد الفتاح محمد السعيد الجزائري ، نشر دار الحنان الاسلاميه سنه 1411هـ ، ويقع في جزء لطيف عدد صفحاته 151 صفحه .
وهذا المختصر جيد ومفيد ولكنه أغفل فصولاً من الكتاب بكاملها بل باباً من أبوابه ومن ذلك :
فصل " أقسام المنسوبين الى البدعه" من الباب الثالث .
فصل " سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما " من الباب الخامس.
فصل " كل بدعه ضلالة " من الباب السادس .
الباب السابع " الابتداع هل يختص بالأمور العباديه أو يدخل في العاديُّات " .
فصل " رد شبهه استفتاء القلب " من الباب الثامن .
فصل " حديث الفرق وفيه مسائل " من الباب التاسع .
6 - طريق الوصول إلى إبطال البدع بعلم الأصول ، لمحمد أحمد العدوي سنه 1340هـ ثم أعيد طبعاته عدة مرات آخرها الطبعه الرابعه في المكتب الإسلامي سنه 1406هـ وتحت عنوان " أصول البدع والسنه " وهو عبارة عن تلخيص لكتاب الاعتصام بأسلوب المؤلف ، وليس اختصاراً له ، وتقع هذه الطبعه في كتيب عدد صفحاته 134 صفحه . وقد استفدت من جميع هذه الطبعات وخاصة طبعه السيد رشيد رضا ومختصر الجزائري .
عملي في الكتاب :
1 - اعتمدت على طبعه السيد رشيد رضا فقمت باختصارها أولاً على ما سبق ذكره ، ولم أضف شيئاً من عندي في أصله لأن كلام الشاطبي فيه من القوة والمتانه والرصانه والوضوح ما يغني عن كل تعليق - خاصه بعد حذف الاستطرادات وبعض المسائل - إلا ما يقتضيه ربط الكلام ، وقد حوى هذا المختصر جميع ابواب وفصول الكتاب .
2 - عرض هذا المختصر على نسخه خطيه مغربيه عدد أوراقها 265 ورقه حصلت عليها من جامعة أم القرى وهي مصورة من مكتبة المسجد النبوي . وقد جعلت هذه النسخه وطبعه السيد رشيد رضا في مقام واحد وعند التعارض اثبت أنسبهما لسياق الكلام وما كان فيه اشكال عند كليهما وضعت أقرب الكلمات التي تؤدي المعنى وذلك بين علاقين هكذا : { } وهذا قليل جداً .
3 - استفدت من عناوين الأبواب والفصول التي وضعها ناسخ النسخه المغربيه وأضفت عناوين لبعض الفصول يقتضيها طبيعه المختصر .
4 - وضعت تعليقات يسيرة بالهامش توضح بعض معاني الكلمات والتعريفات .
5 - خرجت الآيات القرآنيه .
6 - خرجت الأحاديث والآثار من مصادرها الأصليه ذاكراً رقم الحديث أو الأثر وراويه وار..ت صحته ما لم يكن في الصحاح أو أحدهما وذلك بشكل موجز ومختصر يؤدي الغرض .
7 - اجتهدت كثيراً في إخراج الكتاب بصورة تسهل على القارئ فهمه.
وبعد : فلقد بذلت جهدي واجتهدت في إخراج هذا الكتاب بالصورة التي تؤدي إلى مقصد المؤلف ، ولا يسعني إلا أن أقول ما صح عن ابن مسعود رضي الله عنه : "فإن يك صواباً فمن الله عز وجل، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله عز وجل ورسوله بريئان" وحسبي أن للمجتهد أجراً إذا أخطأ فأرجو ألا يفوتني الأجر في كلتا الحالتين إن شاء الله.
والله أسأل أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
أبو محمد
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المحمود على كل حال، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد فإني أذكرك أيها الصديق الأوفى، والخالصة الأَصفى، في مقدمة ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود، وهي معنى قول رسول اللّه (: ((بُدِىءَ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بُدِىءَ فطُوبى للغُرَباءِ، قيل: ومن الغرباء يا رسول اللّه؟ قال: الذين يُصْلِحُون عند فساد الناس))(1).
وجملة المعنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول الإسلام وآخره، وذلك أن رسول اللّه ( بعثه اللّه تعالى على حين فترة من الرسل، وفي جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسماً، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكماً، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته أَسلافها، من الآراءِ المنحرفة، والنحل المخترعة، والمذاهب المبتدعة، فحين قام فيهم ( بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيراً، فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر، ونسبوا إليه كل محال، ورموه بأَنواع البهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق، وآونة يتهمونه بالسحر، وكرة يقولون: إنه مجنون، كل ذلك دعاء منهم إلى التأسي بهم والموافقة لهم على ما ينتحلون، فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم، لأنه خرج عن معتادهم وأتي بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم.
فأَبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب؛ وأنزل اللّه: {قُلْ يا أَيُّها الكافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ ما تعْبُدُونَ} إلى آخر السورة، فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة، ورموه بسهام القطيعة، وصار أَهل السلم كلهم حرباً عليه، عاد الوليُّ الحميم، عليه كالعذاب الأَليم، فأَقربهم إليه نسباً كان أَبعد الناس عن موالاته، كأَبي جهل وغيره، وأَلصقهم به رحماً؛ كانوا أَقسى قلوباً عليه، فأَي غربة توازي هذه الغربة؟ ومع ذلك فلم يكله اللّه إلى نفسه، ولا سلطهم على النَّيْل من أَذاه، بل حفظه وعصمه، وتولاه بالرعاية والكلاءَة، حتى بلغ رسالة ربه ثم ما زالت الشريعة في أَثناءِ نزولها، وعلى توالي تقريرها، تبعد بين أَهلها وبين غيرهم، وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا، وما زال عليه الصلاة والسلام يدعو لها، فيؤوب إليه الواحد بعد الواحد، خوفاً من عاية الكفار، زمان ظهورهم على دعوة الإسلام.
ثم استمرَّ تزيُّدُ الإسلام، واستقام طريقه على مدة حياة النبي (، ومن بعد موته؛ وأَكثر قرن الصحابة رضي اللّه عنهم، إلى أَن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأَصغوا إلى البدع المضلة كبدعة القدر وبدعة الخوارج، وهي التي نبه عليها الحديث بقوله: ((يقتلون أَهل الإسلام، ويدعون أَهل الأَوثان، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم)) يعني لا يتفقهون فيه، بل يأْخذونه على الظاهر: كما بينه حديث ابن عمر الآتي بحول اللّه. وهذا كله في آخر عهد الصحابة.
ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق ( في قوله: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة))(1) وفي الحديث الآخر ((لتتبعُن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم)) قلنا: يا رسول اللّه اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟))(2) وهذا أَعم من الأول فإن الأَول عند كثير من أَهل العلم خاص بأَهل الأَهواءِ وهذا الثاني عام في المخالفات، ويدل على ذلك من الحديث قوله: ((حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم)).
وكل صاحب مخالفة فمن شأْنه أَن يدعو غيره إليها، ويحض سؤاله بل سواه عليها، إذ التأَسي في الأَفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلة، وبسببه تقع من المخالف المخالفة، وتحصل من الموافق المؤالفة، ومنه تنشأُ العداوة والبغضاء للمختلفين.
كان الإسلام في أوله وجِدَّتِه مقاوماً بل ظاهراً، وأهله غالبون وسوادهم أعظم الأسودة، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياءِ الناصرين، فلم يكن لغيرهم ممن لم يسلك سبيلهم أو سلكه ولكنه ابتدع فيه صولة يعظم موقعها، ولا قوة يضعف دونها حزب اللّه المفلحون، فصار على استقامة، وجرى على اجتماع واتساق، فالشاذ مقهور مضطهد، إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود؛ وقوته إلى الضعف المنتظر، والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده، واقتضى سرَّ التأسي المطالبة بالموافقة ولا شك أن الغالب أغلب، فتكالبت على سواد السنة البدع والآهراء، فتفرق أكثرهم شيعاً. وهذه سنة اللّه في الخلق: إن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل لقوله تعالى: {وما أكْثر النَّاسِ ولوْ حَرصتْ بمُؤمِنِين}(1) ، وقوله تعالى: {وقلِيلٌ مِنْ عِبَادي الشَّكُورُ}(2) ولينجز الله ما وعد به نبيه ( من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكراً؛ والمنكر معروفاً، وتصير السنة بدعة، والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف؛ كما كان أولاً يقام على أهل البدعة، طمعاً من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأْتي الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها ـ على كثرتها ـ على مخالفة السنة عادة وسمعاً، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأْتي أمر الله، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناضبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم، لا يزالوان في جهاد ونزاع، ومدافعة وقراع؛ آناءَ الليل والنهار،وبذلك يضاعف اللّه لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم.
فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالف بالموافقة جارٍ مع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان، فمن وافق فهو عند المطالب المصيب على أي حال كان، ومن خالف فهو المخطيء المصاب، ومن وافق فهو المحمود السعيد، ومن خالف فهو المذموم المطرود، ومن وافق فقد سلك سبيل الهداية، ومن خالف فقد تاه في طرق الضلالة والغواية(1) .
* * *
الباب الأول
(في تعريف البدع وبيان معناها وما اشتق منه لفظاً)
وأصل مادة ((بدع)) للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: {بَدِيعُ السَّموَاِت والأرْضِ}(1) أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم، وقوله تعالى: {قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِن الرُّسُل}(2) ، أي ما كنت أول من جاءَ بالرسالة من اللّه إلى العباد بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه.
ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة: فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة فالبدعة إذن عبارة عن ((طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه)) وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: ((البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية)) ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد. فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وإنما قيدت بالدين لآنها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها وأيضاً فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم ـ فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها ـ خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأْي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأُصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأُصولها موجودة في الشرع.
(فإن قيل): فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترع.
(فالجواب): أن له أصلاً في الشرع، ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص، فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة، وسيأْتي بسطها بحول الله.
فعلى القول بإثباتها أصلاً شرعياً لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدلته التي ليست بمأْخوذة من جزئي واحد؛ فلبست ببدعة البتة.
وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة، لآن كل بدعة ضلالة من غير إشكال، كما يأتي بيانه إن شاء الله.
ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحاً، وهو باطل بالإجماع فليس إذاً ببدعة.
ويلزم أن يكون دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة.
وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسلة، ثبت مطلق المصالح المرسلة.
فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة، بدعة أصلاً.
وقوله في الحد ((تضاهي الشرعية)) يعني: أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة:
منها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائماً لا يقعد، ضاحياً لا يستظل، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة.
ومنها: التزام الكيفيات والهيآت المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ( عيداً، وما أشبه ذلك.
ومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته.
وقوله: ((يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى)) هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها.
وذلك أن أصل الدخول فيها بحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك. لأن الله تعالى يقول: {وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونَ}(1)، فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ.
وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات. فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية.
وأما الحد على الطريقة الأُخرى(2) فقد تبين معناه إلا قوله: يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية.
ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأْتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته. لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه. وإن تعلقت بالعادات فكذلك، لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها.
وقد ظهر معنى البدعة وما هي في الشرع والحمد لله.
فصل
[البدعة التَّركيَّة]
وفي الحد أيضاً معنى آخر مما ينظر فيه. وهو أن البدعة من حيث قيل فيها: إنها طريقة في الدين مخترعة ـ إلى آخره ـ يدخل في عموم لفظها البدعة التَّرْكِيَّةُ، كما يدخل فيه البدعة غير التركية فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل ـ مثلاً ـ قد يكون حلالاً بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه أو يقصد تركه قصداً.
فبهذا الترك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعاً أولاً، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب تركه، كالذي يحرم على نفسه الطعام الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك: بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض فإن الترك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التداوي، فالترك مباح.
وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس فذلك من أوصاف المتقين، وكتارك المتشابه، حذراً من الوقوع في الحرام، واستبراءَ للدين والعرض.
وإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تديناً أولاً، فإن لم يكن تديناً فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك. ولا يسمى هذا الترك بدعة إذ لا يدخل تحت لفظ الحد إلا على الطريقة الثانية القائلة: إن البدعة تدخل في العادات. وأما على الطريقة الآُولى فلا يدخل. لكن هذا التارك يصير عاصياً بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحل اللّه.
وأما إن كان الترك تديناً فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزاً شرعاً فصار الترك المقصود معارضة للشارع.
لأن بعض الصحابة همَّ أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر إتيان النساء، وبعضهم هم ببالاختصاء، مبالغة في ترك شأْن النساء. وفي أمثال ذلك قال النبي (: ((من رغب عن سنتي فليس مني))(1).
فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل اللّه من غير عذر شرعي فهو خارج عن سنة النبي (، والعامل بغير السنة تديناً، هو المبتدع بعينه.
(فإن قيل) فتارك المطلوبات الشرعية ندباً أو وجوبباً، هل يسمى مبتدعاً أم لا؟
(فالجواب) أن التارك للمطلوبات على ضربين:
(أحدهما) أن يتركها لغير التدين إما كسلاً أو تضييعاً أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية. فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية وإن كان في ندب فليس بمعصية، إذا كان الترك جزئياً، وإن كلياً فمعصية حسبما تبين في الأُصول.
(والثاني) أن يتركها تديناً. فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع اللّه.
فإذاً قوله في الحد: (( طريقة مخترعة تضاهي الشرعية)) يشمل البدعة التركية، كما يشمل غيرها، لآن الطريقة الشرعية أيضاً تنقسم إلى ترك وغيره.
وسواءٌ علينا قلنا: إن الترك فعل أم قلنا: إنه نفي الفعل.
وكما يشمل الحدُّ الترك يشمل أيضاً ضد ذلك.
وهو ثلاثة أقسام:
قسم الاعتقاد، وقسم القول، وقسم الفعل، فالجميع أربعة أقسام.
وبالجملة، فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي، يتعلق به الابتداع.
الباب الثاني
((في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها))
لا خفاءَ أن البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها، لآن اتباعها خروج عن الصراط المستقيم ورمي في عماية، وبيان ذلك من جهة النظر، والنقل الشرعي العام.
فصل
[الأدلة من النظر على ذم البدع]
أما النظر فمن وجوه:
(أحدها) أنه قد علم بالتجارب والخبرة.
أن العقول غير مستقلة بمصالحها، استجلاباً لها، أو مفاسدها، استدفاعاً لها. لآنها إما دنيوية أو أُخروية.
فأما الدنيوية فلا يستقل باستدراكها على التفصيل البتة لا في ابتداء وضعها أوَّلاً، ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها، إما في السوابق، وإما في اللواحق، لآن وضعها أوَّلاً لم يكن إلا بتعليم اللّه تعالى.
فلولا أن منَّ اللّه على الخلق ببعثه الأنبياء لم تستقم لهم حياة، ولا جرت أحوالهم على كمال مصالحهم وهذا معلوم بالنظر في أخبار الأولين والآخرين.
وأما المصالح الأُخروية، فأبعد عن مصالح المعقول من جهة وضع أسبابها، وهي العبادات مثلاً. فإن العقل لا يشعر بها على الجملة، فضلاً عن العلم بها على التفضيل.
فعلى الجملة، العقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحي. فالابتداع مضاد لهذا الأصل، لأنه ليس له مستنداً شرعي بالفرض، فلا يبقى إلا ما ادَّعوه من العقل.
فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها، ما رام تحصيله من جهتها، فصارت كالعبث.
(والثاني) أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، لآن اللّه تعالى قال فيها: {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِتُ لكَمْ الإسلامَ دِيناً}(1).
وفي حديث العرباض بن سارية: وعظنا رسول اللّه ( موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول اللّه، إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ قال: ((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)) الحديث(1).
فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله:
إن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياءُ يجبَ أو يستحب استدراكها، لآنه لو كان معتقداً لكمالها وتمامها من كل وجه، لم يبتدع ولا استدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم.
قال ابن الماجشون: سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ( خان الرسالة، لآن اللّه يقول: {اليوم أكملتُ لكم دينكم} فما لم يكن يومئذٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً.
(والثالث) أن المبتدع معاند للشرع ومشاقٌّ له، لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقاً خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعدِّيها ـ إلى غير ذلك، لآن اللّه يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول ( رحمة للعالمين. فالمبتدع رادٌ لهذا كله، فإنه يزعم أن ثمَّ طرقاً أُخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم، ونحن أيضاً نعلم. بل ربما يُفهم من استدراكه الطرق على الشارع، أنه علم ما لم يعلمهالشارع.
وهذا إن كان مقصوداً للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود، فهو ضلال مبين.
(الرابع) أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع، لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك، لآنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون. وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس. ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام.
هذا الذي ابتدع في دين اللّه قد صير نفسه نظيراً ومضاهياً للّه حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف باباً؛ ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع.
(والخامس) أنه اتباع للهوى لآن العقل إذا لك يكن متبعاً للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة؛ وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين. ألا ترى قول اللّه تعالى: {يا داودُ إنا جعلناك خليفةً في الأرضِ فاحكم بين النَّاس بالحقِّ ولا تتبع الهوى فيضلَّك عن سبيل اللّه، إن الذين يضلون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديدٌ بما نسوا يوم الحساب}(1).
فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجرداً إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك. وقال {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه}(1) فجعل الأمر محصوراً بين أمرين، ابتاع الذكر، واتباع الهوى، وقال {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هُدى من اللّه}(2).
وهي مثل ما قبلها. وتأملوا هذه الآية فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى اللّه في هوى نفسه، فلا أحد أضل منه.
وهذا شأْن المبتدع، فإنه اتبع هواه بغير هدى من اللّه. وهدى اللّه هو القرآن.
وما بينته الشريعة وبينته الآية أن اتباع الهوى على ضربين: أحدهما، أن يكون تابعاً للأمر والنهي فليس بمذموم ولا صاحبه بضال.
والآخرُ أن يكون هواه هو المقدم بالقصد الأول، والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى اللّه فكان أضل الناس وهو يظن أنه على هدى.
وقد انجر هنا معنى يتأكد التنبيه عليه، وهو أن الآية المذكورة عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين:
أحدهما: الشريعة، ولا مرية في أنها علم وحق وهدى؛ والآخر الهوى، وهو المذموم، لأنه لم يذكر في القرآن إلا في سياق الذم، ولم يجعل ثمَّ طريقاً ثالثاً. ومن تتبع الآيات، ألفى ذلك كذلك.
فصل
[الأدلة من النقل على ذم البدع]
وأما النقل فمن وجوه:
(أحدها) ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذم من ابتدع في دين اللّه في الجملة. فمن ذلك:
1ــ قول اللّه تعالى: {وأنَّ هذا صِراطِي مُسْتقِيماً فاتَّبِعُوهُ ولاَ تتَّبعُوا السبُل فتفرَّق بِكُمْ عنْ سَبُيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لعَلَّكُمْ تتَّقُون}(1) فالصراط المستقيم هو سبيل اللّه الذي دعا إليه وهو السنة والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع. وليس المراد سبل المعاصي، لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقاً تُسْلك دائماً على مضاهاة التشريع. وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات.
ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب، قال: حدّثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد اللّه قال: خط لنا رسول اللّه ( يوماً خطاً طويلاً، وخط لنا سليمان خطاً طويلاً، وخط عن يمينه وعن يساره فقال: ((هذا سبيلُ اللّهِ)) ثم خط لنا خطوطاً عن يمينه ويساره وقال: ((هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)) ثم تلا هذه الآية: {وأنَّ هذا صِراطِى مُسْتقِيماً فاتَّبِعُوهُ ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} ـ يعني الخطوط ــ (فتفرَّقَ بِكمْ عنْ سَبِيلِهِ)(1).
قال بكر بن العلاء: أحسبه أراد شيطاناً من الإنس وهي البدع واللّه أعلم.
وعن مجاهد في قوله (ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُل) قال: البدع والشبهات.
2ــ قول اللّه تعالى: {وعلَى اللّه قصْدُ السَّبِيلِ ومِنْها جائِرٌ ولوْ شَاءَ لهَداكُمْ أجْمعِين}(2) فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق؛ أي عادل عنه، وهي طرق البدع والضلالات، أعاذنا اللّه من سلوكها بفضله. وكفى بالجائر أن يحذر منه. فالمساق يدل على التحذير والنهي.
عن التستري: ((قصد السبيلُ)) طريق السنة، ((ومنها جائرٌ)) يعني إلى النار، وذلك الملل والبدع.
وعن مجاهد ((قصد السبيل)) أي المقتصد منها بين الغلو والتقصير، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع.
قال ابن عطيّة: ((هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوءِ المعتقد))
قال القاضي [إسماعيل]: ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية؛ لآنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعاً.
فلنقتصر على ما ذكرنا، ففيه ــ إن شاء اللّه ــ الموعظة لمن اتعظ، والشقاء لما في الصدور.
الوجه الثاني من النقل: ما جاء في الأحاديث المنقولة عن رسول اللّه (، وهي كثيرة تكاد تفوت الحصر، إلا أنا نذكر منها ما تيسر مما يدل على الباقي ونتحرى في ذلك ــ بحول اللّه ــ ما هو أقرب إلى الصحة. فمن ذلك:
1ــ ما في الصحيح من حديث عائشة رضي اللّه عنها عن النبي ( قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ))(1) وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ))(2) وهذا الحديث عدّة العلماءُ ثلث الإسلام، لآنه جمع وجوه المخالفة لآمره عليه السلام. ويستوى في ذلك ما كان بدعة أو معصية.
2ــ وخرج مسلم عن جابر بن عبداللّه أن رسول اللّه ( كان يقول في خطبته: ((أما بعد فإن خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة))(1).
وفي رواية قال كان رسول اللّه ( يخطب الناس، يحمد اللّه ويثنى عليه بموا هو أهله ثم يقول: ((من يهدِه اللّه فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلِ اللّه فلا هادي له، وخير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأُمور محدثاتها وكل محدثة بدعة))(2).
3ــ وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (: ((من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أُجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً))(3).
4ــ وروى الترمذي وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول اللّه ( ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول اللّه؟ كأن هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ((أُوصيكم بتقوى اللّه والسمع والطاعة لوله الأمر وإن كان عبداً حبشياً. فإنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأُمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة))(1).
5ــ وفي الصحيح عن حذيفة أنه قال: يا رسول اللّه! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: ((نعم قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي)) قال فقلت: هل بعد ذلك الشر من شر؟ قال: ((نعم دعاة على نار جهنم من أجابهم قذفوه فيها)) قلت: يا رسول اللّه، صفهم لنا. قال ((نعم هم من جلدتنا، ويتكلمون بألستنا)) قلت: فما تأْمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) قلت: فإن لم يكن إمام ولا جماعة؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك))(2).
6ــ ومما جاء في هذا الباب أيضاً ما خرج ابن وضاح ونحوه لابن وهب عن أبي هريرة أن رسول اللّه ( قال: ((سيكون في أُمتي دجالون كذَّابون يأْتونكم بِبِدْعٍ من الحديث لم تسمعوه أنتم ولا آباؤهم، فإياكم إياهم لا يفتنونكم))(3).
الوجه الثالث من النقل: ما جاء عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم في ذم البدع وأهلها وهو كثير.
1ــ عن عبداللّه بن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم(1).
2ــ عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه أنه قال يوماً: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيه القرآن، حتى يأْخذه المؤمن والمنافق، والرجل، والمرأة، والصغير، والكبير، والعبد، والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأْت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، وإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة، وأُحذِّركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق.
قال الراوي: قلت لمعاذ: وما يدريني يرحمك اللّه إن الحكيم قد يقول كلمة ضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى! اجتنب من كلام الحكيم غير المشتهرات التي يقال فيها: ما هذه؟ ولا يثنينَّك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته فإن على الحق نوراً(2).
ومما جاء عمن بعد الصحابة رضي اللّه عنهم.
1ــ عن أبي إدريس الخولاني أنه قال: لأن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع إطفاءها، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها.
2ــ وعن الفضيل بن عياض: اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.
3ــ وعن ابن المبارك قال: اعلم أي أخي! إن الموت كرامة لكل مسلم لقي اللّه على السنة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون، فإلى اللّه نشكو وحشتنا وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع. وإلى اللّه نشكو عظيم ما حل بهذه الأُمة من ذهاب العلماء وأهل السنة، وظهور البدع.
فصل
[ما جاء في ذم الرأي المذموم]
وهو المبني على غير أُسّ، والمستند إلى غير أصل من كتاب ولا سنة، لكنه وجه تشريعي فصار نوعاً من الابتداع، بل هو الجنس فيها، فإن جميع البدع إنما هي رأي على غير أصل، ولذلك وصف بوصف الضلال. ففي الصحيح عن عبداللّه بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللّه ( يقول: ((إن اللّه لا ينتزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه انتزاعاً. ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يُسْتَفْتوْن فيُفتون برأيهم فيَضلون ويُضلون))(1).
وقد اختلف العلماءُ في الرأي المقصود. فقد قالت طائفة: المراد به رأي أهل البدع المخالفين للسنن، لكن في الاعتقاد(2) كمذهب جهم وسائر مذاهب أهل الكلام لأنهم استعملوا آرائهم في رد الأحاديث الثابتة عن النبي (، بل وفي رد ظواهر القرآن لغير سبب يوجب الرد ويقتضي التأويل.
وقالت طائفة: إنما الرأي المذموم المعيب الرأي المبتدع وما كان مثله من ضروب البدع، فإن حقائق جميع البدع رجوع إلى الرأي، وخروج عن الشرع وهذا هو القول الأظهر. إذ الأدلة المتقدمة لا تقتضي بالقصد الأول من البدع نوعاً دون نوع بل ظاهرها تقتضي العموم في كل بدعة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، كانت من الأصول أو الفروع.
وقالت طائفة الرأي المذكور هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردِّ الفروع والنوازع بعضها إلى بعض قياساً، دون ردها إلى أُصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل، وفرعت قبل أن تقع، وتُكلم فيها قبل أن تكون، بالرأي المضارع للظن، قالوا: لأن في الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب اللّه تعالى ومعانيه.
وهذا القول غير مخالف لما قبله، لآن من قال به قد منع من الرأي وإن كان غير مذموم، لآن الإكثار منه ذريعة إلى الرأي المذموم، وهو ترك النظر في السنن اقتصاراً على الرأي، وإذا كان كذلك اجتمع مع ما قبله، فإن من عادة الشرع أنه إذا نهى عن شيء وشدد فيه منع ما حواليه، وما دار به ورتع حول حماه. ألا ترى إلى قوله عليه السلام ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أُمور مشتبهة))(1): وكذلك جاء في الشرع أصل سد الذرائع، وهو منع الجائز لأنه يجر إلى غير الجائز. وبحسب عظم المفسدة في الممنوع، يكون اتساع المنع في الذريعة وشدته.
والحاصل من جميع ما تقدم أن الرأي المذموم ما بنى على الجهل واتباع الهوى من غير أن يرجع إليه، وما كان منه ذريعة إليه وإن كان في أصله محموداً، وذلك راجع إلى أصل شرعي: فالأول داخل تحت حد البدعة وتتنزل عليه أدلة الذم، والثاني خارج عنه ولا يكون بدعة أبداً.
فصل
[ما في البدع من الأوصاف المحذورة، والمعاني المذمومة]
فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات. ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقرة معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها وهو ملعون على لسان الشريعة، ويزداد من اللّه بعبادته بعداً،؟! وهي مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى مبتدعها إثم من عمل بها، وليس له من توبة، وتلقى عليه الذلة والغضب من اللّه، ويبعد عن حوض رسول اللّه (، ويخاف عليه أن يكون معدوداً في الكفار الخارجين عن اللّه، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا، ويسودُ وجهه في الآخرة يعذب بنار جهنم، وقد تبرأ منه رسول اللّه (، وتبرأ منه المسلمون، ويخـاف عليه الفتنة في الدنيا زيادة إلى عــذاب الآخـرة.
فأما أن البدعة لا يقبل معها عمل:
فكبدعة القدرية حيث قال فيها عبداللّه بن عمر: إذا لقيت أُولئك فأخبرهم أني بريءٌ منهم، وأنهم برءاء مني، فوالذي يحلف به عبداللّه بن عمر لو كان لأحدهم مثل أُحُدٍ ذهباً فأنفقه ما تقبله اللّه منه حتى يؤمن بالقدر(1).
ومثله حديث الخوارج وقوله فيه: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ــ بعد قوله ــ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم. الحديث(2).
وإذا ثبت في بعضهم هذا لأجل بدعة فكل مبتدع يخاف عليه مثل من ذكره، فإن كان المبتدع لا يقبل منه عمل، إما أن [يراد] أنه لا يقبل منه ما ابتدع فيه خاصة دون ما لم يبتدع فيه.
فأما الأول: فيمكن على أحد أوجه ثلاثة:
أن يكون على ظاهرة من أن كل مبتدع أي بدعة كانت؛ فأعماله لا تقبل معها ــ داخلتها تلك البدعة أم لا.
2ــ أن تكون بدعته أصلاً يتفرع عليه سائر الأعمال، كما إذا ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق، فإن عامة التكليف مبني عليه، لأن الأمر إنما يرد على المكلف من كتاب اللّه أو من سنة رسوله. وما تفرع منهما راجع إليهما.
3ــ أن صاحب البدعة في بعض الأُمور التعبدية أو غيرها قد يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى الأويل الذي يُصيِّر اعتقاده في الشريعة ضعيفاً، وذلك يبطل عليه جميع عمله. بيان ذلك أمثلة:
منها أن يترك العقل مع الشرع في التشريع، وإنما يأتي الشرع كاشفاً لما اقتضاه العقل، فيا ليت شعري هل حكَّم هؤلاء في التعبد للّه شرعه أم عقولهم؟ بل صار الشرع في نحلتهم كالتابع المعين لا حاكماً متبعاً، وهذا هو التشريع الذي لم يبق للشرع معه أصالة، فكل ما عمل هذا العامل مبنياً على ما اقتضاه عقله، وإن شرك الشرع فعلى حكم الشركة لا على إفراد الشرع.
ومنها أن المستحسن للبدع يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعدُ، فلا يكون لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}(1) معنى يعتبر به عندهم.
(وأما الثاني) وهو أن يراد بعدم القبول لأعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة فيظهر أيضاً، وعليه يدل الحديث المتقدم ((كل عمل ليس عليه أمرنا فهور رد))(2) والجميع من قوله: ((كل بدعة ضلالة)) أي أن صاحبها ليس على الصراط المستقيم، وهو معنى عدم القبول، وفاق قول اللّه: {وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}(1)، وصاحب البدعة لا يقتصر في الغالب على الصلاة دون الصيام، ولا على الصيام دون الزكاة، ولا على الزكاة دون الحج، ولا على الحج دون الجهاد، إلى غير ذلك من الأعمال، لأن الباعث له على ذلك حاضر معه في الجميع، وهو الهوى والجهل بشريعة اللّه، كما سيأتي إن شاء اللّه.
وأما أن صاحب البدعة تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، فإن اللّه تعالى إلينا محمداً ( رحمة للعالمين حسبما أخبر في كتابه، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلاً، ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلاً، ولا من مصالحنا الأُخروية قليلاً ولا كثيراً، حتى بعث اللّه نبيه ( لزوال الريب والالتباس، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس، فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة، والعطايا الجزيلة، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلاً، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة؟ وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه، فهو حقيق بالبعد عن الرحمة. قال اللّه تعالى: {واعْتصِمُوا بِحبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا}(2)، بعد قوله: {اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}(3) فأشعر أن الاعتصام بحبل اللّه هو تقوى اللّه حقاً، وأن ما سوى ذلك تفرقة، لقوله: {وَلاَ تَفَرَّقُوا} والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة، لآنه خرج عن حكم اللّه وباين جماعة أهل الإسلام.
وأما أن الماشي إليه والموقِّر له معين على هدم الإسلام، فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين))(1) الحديث.
فإن الإيواء بجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر لأن المشي إليه والتوقير له تعظيم له لأجل بدعته والشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا، كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به والعمل بما ينافيه.
وأيضاً فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم:
إحداهما: التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السنة على سنتهم.
والثانية: أنه إذا وُقِّرَ من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيءٍ.
فتحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه، وعلى ذلك دلَّ النقل عن السلف زيادة إلى صحة الاعتبار، لأن الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس، لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين.
وأما أن صاحبها ملعون على لسان الشريعة؛ فلقوله عليه الصلاة والسلام: (( من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين))(1)، وعد من الإحداث، الاستنان بسنة سوء لم تكن.
وأما أنه يزداد من اللّه بعداً. فلما روى عن الحسن أنه قال: صاحب البدعة ما يزداد اللّه اجتهاداً، صياماً وصلاة، إلا ازداد من اللّه بعداً.
وعن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من اللّه بعداً.
ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج ((يخرج من ضئضيء هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم ـ إلى أن قال ـ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية))(2) فبين أولاً اجتهادهم ثم بيَّن آخراً بُعْدهُمْ من اللّه تعالى.
وأما أن البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام. فلأنها تقتضي التفرق شيعاً.
وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {ولا تتبعوا السبُل فتفرق بكم عن سبيله}(1)، وقوله: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكَانُوا شِيعاً لَسْت مِنْهُمْ في شَيْءٍ}(2)، وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى.
وقد بيَّن عليه الصلاة والسلام أن فساد ذات البيْنِ هي الحالقة وأنها تحلق الدين، هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع.
وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويدعُون الكفار. ثم يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب الملوك فإنهم تناولوا أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل.
ثم يليهم كل من ابتدع بدعة فإن من شأْنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع الشريعة ويذمونهم.
وأيضاً فإن أهل السنة مأْمورون بعداوة أهل البدع وقد حذَّر العلماءُ من مصاحبتهم ومجالستهم، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء. لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة مما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين لا على التعادي مطلقاً. كيف ونحن مأْمورون بمعاداتهم وهم مأْمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟.
وأما أنها مانعة من شفاعة محمد ( فلما في الصحيح قال: ((أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنه سيؤتى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ـ إلى قوله ـ فيقال لم يزالوا مرتدين على أعقابهم)) الحديث(1)، ففيه أنه لم يذكر لهم شفاعة رسول اللّه (، ويظهر من أول الحديث أن ذلك الارتداد لم يكن كفر لقوله: ((وإنه سيؤتى برجال من أمتي)) ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لما نسبوا إلى أُمته، ولأنه عليه السلام أتى بالآية وفيها: {وإنْ تغْفِرْ لهُمْ فإنَّك أنْتَ العزِيزُ الْحَكِيمُ}(2)، ولو علم النبي ( أنهم خارجون عن الإسلام جملة لما ذكرها، لأن من مات على الكفر لا غفران له البتة، وإنما يرجى الغفران لمن لم يخرجه عمله عن الإسلام لقول اللّه تعالى: {إنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أنْ يُشْرَك بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك لِمَنْ يشَاءُ}(3).
وأما أن على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة؛ فلقوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيِامَةِ ومِنْ أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}(4) ولما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: ((من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها}(5) الحديث.
وأما أن صاحبها ليس له من توبة فلما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن اللّه حجر التوبة على كل صاحب بدعة))(6).
ويدل على ذلك أيضاً حديث الفرق إذ قال فيه: ((وإنه سيخرج في أُمتي أقوام تجاري بهم تلك الأهواءُ، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله))(1) وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق، ولكنه قد يحمل على العموم العادي، إذ لا يبعد أن يتوب عما رآى ويرجع إلى الحق، كما نقل عن عبداللّه بن الحسن العنبري، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على عليّ رضي اللّه عنه، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم. ولكن الغالب في الواقع الإصرار.
ومن هنا قلنا: يبعد أن يتوب بعضهم لأن الحديث يقتضي العموم بظاهرة، وسيأتي بيان ذلك بأبسط من هذا إن شاء اللّه.
وسبب بعده عن التوبة: أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس لأنه أمر مخالف للهوى، وصاد عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جداً لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، فعل حكم التبع لا بحكم الأصل مع ضميمة أُخرى، وهي أن المبتدع لا بد له من تعلق بشبهة دليل ينسبها إلى الشارع، ويدعِي أن ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصوداً بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعى الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.
وأما أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من اللّه تعالى. فلقوله تعالى: {إنَّ الذِينَ اتخَذُوا الْعِجْلَ سَينَالهُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الحياةِ الدُّنْيا وكذلِك نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}(1) قال اللّه تعالى: {وَكذلِكَ نجْزِي المُفْتَرِينَ} فهو عموم فيهم وفيمن أشبههم، من حيث كانت البدع كلها افتراء على اللّه حسبما أخبر في كتابه في قوله تعالى: {قَدْ خَسِر الَّذِينَ قتَلُوا أولاَدهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْم وحرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِراءً علَى اللّهِ}(2) الآية.
فإذاً كل من ابتدع في دين اللّه فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي في عزه وجبريته فهم في أنفسهم أذلاء، وأيضاً فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال. ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك استخفى ببدعته وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التَّقِيَّة.
وأما البعد عن حوض رسول اللّه (: [فلحديث] أسماء عن النبي ( أنه قال: ((أنا على حوضي انتظر من يرد عليَّ، فيؤخذ بناس من دوني، فأقول: أمتي، فيقال: إنك لا تدري، مشوا القهقرى))(3).
وأما الخوف عليه من أن يكون كافراً. فلأن العلماء من السلف الأول وغيرهم اختلفوا في تكفير كثير من فرقهم مثل الخوارج والقدرية وغيرهم، ودل على ذلك ظاهر قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ}(1) وقوله: {يَوْمَ تبْيَضُّ وُجُوهٌ وتسْوَدُّ وُجُوهٌ}(2) الآية. وقد حكم العلماءُ بكفر جملة منهم كالباطنية وسواهم، والعلماءُ إذا اختلفوا في أمر: هل هو كفر أم لا؟ فكل عاقل بربأُ بنفسه أن ينسب إلى خطة خسف كهذه بحيث يقال له: إن العلماءَ اختلفوا: هل أنت كافر أم ضال غير كافر؟ أو يقال: إن جماعة من أهل العلم قالوا بكفرِك وأنت حلال الدم.
وأما أنه يخاف على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ باللّه. فلآن صاحبها مرتكب إثماً، وعاصٍ للّه تعالى حتماً، ومن مات مصراً على المعصية فيخاف عليه.
لآن المبتدع مع كونه مصراً على ما نهى عنه يزيد على المصر بأنه معارض للشريعة بعقله، غير مسلم لها في تحصيل أمره، معتقداً في المعصية أنها طاعة، حيث حسن ما قبحه الشارع، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة إلا بضميمة نظره، فهو قد قبح ما حسنه الشارع، ومن كان هكذا فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة إلا ما شاء اللّه.
وأما اسوداد الوجه في الآخرة، فلقوله تعالى: {يومَ تَبْيَضُّ وجوهٌ وَتَسْوَدُّ وجوهٌ}(1).
وأما البراءَة منه ففي قوله: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شيءٍ}(2).
وقال ابن عمر رضي اللّه عنه في أهل القدر: إذا لقيت أُولئك فأخبرهم أني برىء منهم وأنهم براء مني(3).
والآثار في ذلك كثيرة. ويعضدها ما روى عنه عليه السلام أنه قال: ((المرءُ على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخلل))(4). ووجه ذلك ظاهر.
وأما أنه يخشى عليه الفتنة. فلما حكى عياض عن سفيان بن عيينة أنه قال: سألت مالكاً عمن أحرم من المدينة وراءَ الميقات؟ فقال: هذا مخالف للّه ورسوله، أخشى عليه الفتنة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة. أما سمعت قوله تعالى: {فلْيَحْذَرِ الَّذِين يُخالِفُون عنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عذابٌ أليمٌ}(5) وقد أمر النبي ( أن يُهلَّ من المواقيت.
فهذه جملة يستدل بها على ما بقي، إذ ما تقدم من الآيات والأحاديث فيها مما يتعلق بهذا المعنى كثير، وبسط معانيها طويل، فلنقتصر على ما ذكرنا وباللّه التوفيق.
فصل
[الفرق بين البدعة والمعصية]
وبقي مما هو محتاج إلى ذكره في هذا الموضع، وهو أن البدع ضلالة، وأن المبتدع ضال ومضل، بخلاف سائر المعاصي، فإنها لم توصف في الغالب بوصف الضلالة إلا أن تكون بدعة أو شبه البدعة. وكذلك الخطأُ الواقع في المشروعات ـ وهو المعفوَّ ـ لا يسمى ضلالاً، ولا يطلق على المخطيء اسم ضال، كما لا يطلق على المعتمد لسائر المعاصي.
وذلك أن الضلال والضلالة ضد الهدْى والهدى، فصاحب البدعة لما غلب عليه الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه فحاد بسببه عن الطريق المستقيم، فهو ضال من حيث ظن أنه راكب للجادة.
فالمبتدع من هذه الأُمة إنما ضلَّ في أدلتها حيث أخذها مأْخذ الهوى والشهوة لا مأْخذ الانقياد تحت أحكام اللّه. وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره، لآن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الأدلة بالتبع، فإذا انضم إلى ذلك الجهل بأُصول الشريعة وعدم الاضطلاع بمقاصدها، كان الأمر أشد وأقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع.
والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعاً ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته، بخلاف غير المبتدع فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه؛ وأخَّر هواه فجعله بالتبع.
وفيصل القضية بينهما قوله تعالى: {فَأمَّا الَّذِين فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فيَتَّبِعُونَ ما تَشَابه مِنْهُ ـ إلى قوله ـ والرَّاسِخُون فِى الْعِلْمِ يقُولُون آمنَّا بِهِ كلُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}(1) فلا يصح أن يسمى من هذه حاله مبتدعاً ولا ضالاً، وإن حصل في الخلاف أو خفي عليه.
أما أنه غير مبتدع فلأنه اتبع الأدلة، مؤخراً هواه، ومقدماً لأمر اللّه.
وأما كونه غير ضال فلأنه على الجادة سلك، وإليها لجأ، فإن خرج عنها يوماً فأخطأ فلا حرج عليه، بل يكون مأْجوراً حسبما بيَّنه الحديث الصحيح: ((إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجرٌ وإن أصاب فله أجران))(2) وإن خرج متعمداً فليس على أن يجعل خروجه طريقاً مسلوكاً له أو لغيره، وشرعاً يدان به.
* * *
الباب الثالث
[في أن ذم البدع عامٌّ لا يخص واحدة دون أخرى ، وفيه جملة من شبه المبتدعة ]
فاعلموا ـ رحمكم اللّه ـ أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه:
أحدها: أنها جاءت مطلقة غامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة، ولا جاء فيها: كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا، ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد، فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد.
الثاني: أنه قد ثبت في الأُصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أُصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكررها، وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: {وَلاَ تزِرُ وازرِةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(1) ، {وَأنْ ليْس لِلاْنْسَانِ إلاَّ مَا سعَى}(2) وما أشبه ذلك.
والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك، وتقبيحها والهروب عنها، وعمن اتَّسم بشيءٍ منه، ولم يقع منهم في ذلك توقف، فهو ـ بحسب الاستقراء ـ إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل.
الرابع: أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه، لأنه من باب مضادة الشارع واطِّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقَّة الشارع.
ولما ثبت ذمها ثبت ذم صاحبها لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط، بل من حيث اتصف بها المتصف، فهو إذاً المذموم على الحقيقة، والذم خاصة التأْثيم، فالمبتدع مذموم آثم، وذلك على الاطلاق والعموم. ويدل على ذلك أربعةأوجه:
1ــ أن الأدلة المذكورة إن جاءَت فيهم نصاً فظاهر، كقوله تعالى: {إنَّ الَّذِين فَرَّقُوا دِينَهُمُ وكانوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُم في شيءٍ}(3) وقوله: {ولاَ تَكُونْوا كالَّذِين تَفَرَّقُوا واخْتلفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُم الْبَيِّنات}إلى آخر الآية(1) وقوله عليه السلام ((فليذادان رجال عن حوضي))(2) الحديث ـ إلى سائر ما نص فيه عليهم. وإن كانت نصَّاً في البدعة فراجعة المعنى إلى المبتدع من غير إشكال، وإذا رجع الجميع إلى ذمهم، رجع الجميع إلى تأْثيمهم.
2ــ أن الشرع قد دل على أن الهوى هو المتَّبَع الأول في البدع، ودليل الشرع كالتبع في حقهم. ولذلك تجدهم يتأوَّلون كل دليل خالف هواهم، ويتبعون كل شبهة وافقت أغراضهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: {فأمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون مَا تَشابهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنةِ وابْتِغاءِ تأْوِيلِهِ}(3) فأثبت لهم الزيغ أولاً، وهو الميل عن الصواب، ثم اتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى.
وقال تعالى: {وَلاَ تكُونوا كالَّذِين تَفَرَّقُوا واخْتَلفُوا مِنْ بعْدِ ما جاءَهُمُ الْبيِّناتُ}(4) فهذا دليل على مجيء البيان الشافي، وأن التفرق إنما حصل من جهة المتفرقين لا من جهة الدليل، فهو إذاً من تلقاء أنفسهم، وهو اتباع الهوى بعينه، والأدلة على هذا كثيرة تشير أو تصرح بأن كل مبتدع إنما يتبع هواه، وإذا اتبع هواه كان مذموماً وآثماً. والأدلة عليه أيضاً كثيرة، كقوله: {ومن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَع هواهُ بِغَيْرِ هُدى مِن اللّهِ}(1) وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهوى فيُضِلَّكَ عنْ سبِيلِ اللّهِ؛ إنَّ الَّذِين يَضِلُّون عَنْ سبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شدِيدٌ}(2) وقوله: {ولاَ تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قلْبَهُ عنْ ذِكْرِنا واتَّبَع هَوَاه}(3) وما أشبه ذلك: فإذاً كل مبتدع مذموم آثم.
3ــ أن عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح، فهو عمدتهم الأُولى وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع، فهو المقدم في نحلهم بحيث لا يتهمون العقل: وقد يتهمون الأدلة إذ لم توافقهم في الظاهر، حتى يردوا كثيراً من الأدلة الشرعية.
فأنت ترى أنهم قدموا أهواءَهم على الشرع، ولذلك سُمُّوا أهل الأهواءِ، وذلك لغلبة الهوى على عقولهم واشتهاره فيهم، فإذاً تأْثيم من هذه صفته ظاهر لأن مرجعه إلى اتباع الرأي وهو اتباع الهوى المذكور آنفاً.
4ــ أن كل راسخ لا يبتدع أبداً، وإنما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من العلم الذي ابتدع فيه، فإنما يؤتى الناس من قبل جهالهم الذين يُحسبون أنهم علماءُ، وإذا كان كذلك فاجتهاد من اجتهد منهِيٌّ عنه إذ لم يستكمل شروط الاجتهاد، فإذا أقدم على محرم عليه كان آثاماً باطلاق.
وبهذه الأوجه الأخيرة ظهر وجه تأثيمه، وتبين الفرق بينه وبين المجتهد المخطىء في اجتهاده.
وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آثم ولو فرض عاملاً بالبدعة المكروهة ـ إن ثبت فيها كراهة التنزيه ـ لأنه إما مستنبط لها فاستنباطه على الترتيب المذكور غير جائز، وإما نائب عن صاحبها مناضل عنه فيها بما قدر عليه، وذلك يجري مجرى المستنبط الأول لها، فهو آثم على كل تقدير.
فصل
[في أقسام المنسوبين إلى البدعة]
لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون مجتهداً فيها أو مقلداً، والمقلد إما مقلد مع الإقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلاً والأخذ فيه بالنظر، وإما مقلد له فيه من غير نظر كالعامي الصرف؛ فهذه ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول [أن يكون مجتهداً في البدعة] على ضربين:
1ــ أن يصح كونه مجتهداً، فالابتداع منه لا يقع إلا فلتة وبالعرض لا بالذات، وإنما تسمى غلطة أو زلة لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأْويل الكتاب، أي لم يتبع هواه ولا جعله عمدة، والدليل عليه أنه ظهر له الحق أذعن له وأقرَّ به.
2ــ وأما إن لم يصح أنه من المجتهدين فهو الحري باستنباط ما خالف الشرع، إذ قد اجتمع له مع الجهل بقواعد الشرع، الهوى الباعث عليه في الأصل.
فكيف إذا انضاف إليه الهوى، وانضاف إلى هذين الأمرين دليل ـ في ظنه ـ شرعي على صحة ما ذهب إليه، فيتمكن الهوى من قلبه تمكناً لا يمكن في العادة الانفكاك عنه، وجرى منه مجرى الكلب من صاحبه، فهذا النوع ظاهر أنه آثم في ابتداعه إثم من سنَّ سنة سيئة.
(القسم الثاني) [المقلد مع الإقرار بدليل المجتهد] يتنوع أيضاً، وهو الذي لم يستنبط بنفسه وإنما اتبع غيره من المستنبطين، لكن بحيث أقر بالشبهة واستصوبها، وقام بالدعوة بها مقام متبوعه، لانقداحها في قلبه، فهو مثله، وإن لم يصر إلى تلك الحال ولكنه تمكن حب المذهب من قلبه حتى عادى عليه ووالى.
(القسم الثالث) [مقلد في البدعة كالعامي الصرف]: وهو الذي قلد غيره على البراءَة الأصلية، فلا يخلو أن يكون ثَمَّ من هو أولى بالتقليد منه، أو لا يكون ثم من هو أولى منه، لكنه ليس في إقبال الخلق عليه وتعظيمهم له ما يبلغ تلك الرتبة: فإن كان هناك منتصبون فتركهم هذا المقلد وقلد غيرهم فهو آثم إذ لم يرجع إلى من أمر بالرجوع إليه، بل تركه ورضى لنفسه بأخسر الصفقتين فهو غير معذور، إذ قلد في دينه من ليس بعارف بالدين في حكم الظاهر، فعمل بالبدعة وهو يظن أنه على الصراط المستقيم.
وقَلَّ ما تجد من هذه صفته إلا وهو يوالي فيما ارتكب ويعادي بمجرد التقليد.
وإن لم يكن هناك منتصبون إلى هذا المقلد الخامل بين الناس، مع أنه قد نصب نفسه منصب المستحقين، ففي تأثيمه نظر.
فصل
[في لفظ ((أهل الأهواء)) و ((أهل البدع))]
إن لفظ ((أهل الأهواءِ)) وعبارة ((أهل البدع)) إنما تطلق حقيقة على الذين ابتدعوها، وقدموا فيها شريعة الهوى بالاستنباط والنصر لها، والاستدلال على صحتها في زعمهم، كلفظ ((أهل السنة)) إنما يطلق على ناصريها، وعلى من استنبط على وفقها، والحامين لذمارها.
فلا يطلق على العوام لفظ ((أهل الأهواء)) حتى يخوضوا بأنظارهم فيها ويحسنوا بنظرهم ويقبحوا. وعند ذلك يتعين للفظ أهل الأهواء وأهل البدع مدلول واحد، وهو أنه: من انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره. وأما أهل الغفلة عن ذلك والسالكون سبل رؤسائهم بمجرد التقليد من غير نظر فلا.
فحقيقة المسألة أنها تحتوي على قسمين: مبتدع ومقتد به. فالمقتدي به كأنه لم يدخل في العبارة بمجرد الاقتداء لأنه في حكم المتبع، والمبتدع هو المخترع، أو المستدل على صحة ذلك الاختراع، وسواءٌ علينا أكان ذلك الاستدلال من قبيل الخاص بالنظر في العلم، أو كان من قبيل الاستدلال العامي، فإن اللّه سبحانه ذم أقواماً قالوا: {إنَّا وجدْنا آباءَنا علَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدَونَ}(1) فكأنهم استدلوا إلى دليل جُمْلِىّ، وهو الآباءُ إذ كانوا عندهم من أهل العقل، وقد كانوا على هذا الدين، وليس إلا لأنه صواب، فنحن عليه، لأنه لو كان خطأُ لما ذهبوا إليه.
وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومن يشار إليه بالصلاح، ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة أو من أهل التقليد، ولا كونه يعمل بعلم أو بجهل. ولكن مثل هذا يعد استدلالاً في الجملة من حيث جعل عمدة في اتباع الهوى واطَّراح ما سواه، فمن أخذ به فهو آخذ بالبدعة بدليل مثله، ودخل في مسمى أهل الابتداع، إذ كان من حق من كان هذا سبيله أن ينظر في الحق إن جاءَه، ويبحث ويتأنى ويسأل حتى يتبين له فيتبعه، أو الباطل فيجتنبه. ولذلك قال تعالى ردّاً على المحتجين بما تقدم: {قُلْ أوَلَوْا جِئْتُكُمْ بِأهْدَى مِمَّا وجدْتُمْ عليْهِ آبَاءَكُمْ؟}(1) وفي الآية الأُخرى: {وإذا قِيلَ لهُمُ: اتَّبِعُوا ما أنْزَل اللّهُ. قالوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عليْهِ آباءَنا} فقال تعالى: {أوَلَوْ كان آباؤُهُمْ لاَ يعْقِلون شيئاً وَلاَ يَهْتدُون؟}(2) وفي الآية الأُخرى {أوَلَوْ كان الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إلَى عذابِ السَّعِيرِ}(3) وأمثال ذلك كثير.
وعلامة من هذا شأْنه أن يرد خلاف مذهبه بما عليه من شبهة دليل تفصيلي أو إجمالي، ويتعصب لما هو عليه غير ملتفت إلى غيره، وهو عين اتباع الهوى. فهو المذموم حقاً. وعليه يحصل الإثم، فإن من كان مسترشداً مال إلى الحق حيث وجده ولم يرده، وهو المعتاد في طالب الحق. ولذلك بادر المحققون إلى اتباع رسول اللّه ( حين تبين لهم الحق(4).
فصل
[إثم المبتدعين ليس على رتبة واحدة]
إذا ثبت أن المبتدع آثم فليس الإثم الواقع عليه على رتبة واحدة، بل هو على مراتب مختلفة، من جهة كون صاحبها مستتراً بها أو معلناً [ومن جهة الدعوة إليها وعدمها](1) ، ومن جهة كون البدعة حقيقية أو اضافية، ومن جهة كونها بينة أو مشكلة، ومن جهة كونها كفراً أو فير كفر، ومن جهة الإصرار عليها أو عدمه ـ إلى غير ذلك من الوجوه التي يقطع معها بالتفاوت في عظم الإثم وعدمه أو يغلب على الظن.
1ــ أما الاختلاف من جهة الإسرار والإعلان، فظاهر أن المسر بها ضرره مقصور عليه لا يتعداه إلى غيره، فعلى أي صورة فرضت البدعة من كونها كبيرة أو صغيرة أو مكروهة. هي باقية على أصل حكمها، فإذا أعلن بها ـ وإن لم يدْعُ إليها ـ فإعلانه بها ذريعة إلى الاقتداء به.
2ــ وأما الاختلاف من جهة الدعوة إليها وعدمها فظاهر أيضاً، لأن غير الداعي وإن كان عرضة بالاقتداء فقد لا يقتدي به، ويختلف الناس في توفر دواعيهم على الاقتداء به، إذ قد يكون خامل الذكر، وقد يكون مشتهراً ولا يقتدي به، لشهرة من هو أعظم عند الناس منزلة منه.
وأما الداعي إذا دعا إليها فمظنة الاقتداء أقوى وأظهر، ولا سيما المبتدع اللسن الفصيح الآخذ بمجامع القلوب، إذا أخذ في الترغيب والترهيب، وأدلى بشبهته التي تداخل القلب بزخرفها.
3ــ وأما الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية، فإن الحقيقية أعظم وزراً، لأنها التي باشرها المنتهى بغير واسطة، ولأنها مخالفة محضة وخروج عن السنة ظاهراً.
4ــ وأما الاختلاف من جهة كونها ظاهرة المأخذ أو مشكلة، فلأن الظاهر عند الإقدام عليها محض مخالفة، فإن كانت مشكلة فليست بمحض مخالفة، لإمكان أن لا تكون بدعة، والإقدام على المحتمل، أخفض رتبة من الإقدام على الظاهر.
5ــ وأما الاختلاف بحسب الإصرار عليها أو عدمه فلأن الذنب قد يكون صغيراً فيعظم بالإصرار عليه، كذلك البدعة تكون صغيرة فتعظم بالإصرار عليها، فإذا كانت فلتة فهي أهون منها إذا داوم عليها، ويلحق بهذا المعنى إذا تهاون بها المبتدع وسهل أمرها، نظير الذنب إذا تهاون به، فالمتهاون أعظم وزراً من غيره.
6ــ وأما الاختلاف من جهة كونها كفراً وعدمه فظاهر أيضاً، لأن ما هو كفر جزاؤه التخليد في العذاب ـ عافانا اللّه ـ فلا بدعة أعظم وزراً من بدعة تخرج عن الإسلام، والله المستعان بفضله.
فصل
[الحكم في القيام على أهل البدع]
وهذا باب كبير في الفقه تعلق بهم من جهة جنايتهم على الدين، وفسادهم في الأرض، وخروجهم عن جادة الإسلام، إلى بنيَّاتِ الطريق فنقول: إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الإبعاد أو الإنكار هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها عظيمة المفسدة في الدين، أم لا وكون صاحبها مشتهراً بها أو لا، وداعياً إليها أو لا، ومستظهراً بالأتباع وخارجاً عن الناس أو لا، وكونه عاملاً بها على جهة الجهل أو لا.
وكل من هذه الأقسام له حكم اجتهاديّ يخصه، إذ لم يأت في الشرع في البدعة حدٌّ لا يزداد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من المعاصي، كالسرقة والقتل والقذف والخمر وغير ذلك، ولا جرم أن المجتهدين من الأُمة نظروا فيها بحسب النوازل، وحكموا باجتهاد الرأي، تفريعاً على ما تقدم لهم في بعضها من النص، فخرج من مجموع ما تكلم فيه العلماءُ أنواع:
(أحدها) الإرشاد والتعليم وإقامة الحجة كمسألة ابن عباس رضي اللّه عنه حين ذهب إلى الخوارج غكلمهم حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف.
(الثاني) الهجران وترك الكلام والسلام.
(الثالث) [التغريب] كما غرَّب عمر صبيغاً.
(الرابع) [السجن] كما سجنوا الحلاج قبل قتله سنين عديدة.
(الخامس) ذكرهم بما هم عليه وإشاعة بدعتهم كي يُحذروا، ولئلا يُغتر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف في ذلك.
(السادس) القتال إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم كما قاتل عليٌّ رضي الله عنه الخوارج، وغيره من خلفاء السنة.
(السابع) القتل إن لم يرجعوا مع الاستتابة، قد أظهر بدعته.
(الثامن) من أسرَّها وكانت كفراً أو ما يرجع إليه فالقتل بلا استتابة لأنه من باب النفاق كالزنادقة.
(والتاسع) تكفير من دل الدليل على كفره، كما إذا كانت البدعة صريحة في الكفر.
(العاشر) لا يرثهم ورثتهم من المسلمين ولا يرثون أحداً منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا، ولا يصلي عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين، ما لم يكن المستتر؛ فإن المستتر يحكم له بحكم الظاهر، وورثته أعرف بالنسبة إلى الميراث.
(الحادي عشر) الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم المواصلة.
(الثاني عشر) تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم ولا يكونون ولاة ولا قضاة، ولا ينصبون في مناصب العدالة من إمامة أو خطابة.
(الثالث عشر) ترك عيادة مرضاهم، وهو من باب الزجر والعقوبة.
(الرابع عشر) ترك شهود جنائزهم كذلك.
(الخامس عشر) الضرب كما ضرب عمر رضي الله عنه صبيغاً.
فصل
[في شبه المبتدعة والرد عليهم]
فإن قيل: ثبت في الشريعة ما يدل على تخصيص تلك العمومات وتقييد تلك المطلقات فلذلك قسم الناس البدع ولم يقوموا بذمها على الاطلاق.
وحاصل ما ذكروا من ذلك يرجع إلى أوجه:
(أحدها) ما في الصحيح من قوله (: ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً(1).
وخرج الترمذي وصححه أن رسول الله ( قال: ((من دلَّ على خير فله أجر فاعله))(2).
فهذه الأحاديث صريحة في أن من سن سنة خير فذلك خير، ودل على أنه فيمن ابتدع ((من سن)) فنسب الاستنان إلى المكلف دون الشارع ولو كان المراد ((من عمل سنة ثابتة في الشرع)) لما قال ((من سن)) ويدل على ذلك قوله (: ((ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم كفل من دمها لأنه أول من سن القتل))(3) فسن ـ ها هنا ـ على حقيقته لأنه اخترع ما لم يكن قبل معمولاً به في الأرض بعد وجود آدم عليه السلام.
فكذلك قوله: ((من سن سنة حسنة)) أي من اختراعها من نفسه لكن بشرط أن تكون حسنة فله من الأجر ما ذكر، فليس المراد: من عمل سنة ثابتة.
(والثاني): أن السلف الصالح رضي الله عنهم ـ وأعلاهم الصحابة ـ قد عملوا بما لم يأت به كتاب ولا سنة مما رأوه حسناً وأجمعوا عليه، ولا تجتمع أُمة محمد ( على ضلالة.
فقد أجمعوا على جمع القرآن وكتبه في المصاحف، وعلى جمع الناس على المصاحف العثمانية، واطِّراح ما سوى ذلك من القراءَات التي كانت مستعملة في زمان رسول الله (، ولم يكن في ذلك نص ولا حظر.
فالجواب وباللّه التوفيق أن نقول:
أما الوجه الأول ـ وهو قوله (: ((من سن سنة حسنة)) الحديث ـ ليس المراد به الاختراع البتة، وإلا لزم من ذلك التعارض بين الأدلة القطعية وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك لوجهين:
(أحدهما): أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة، بدليل ما في الصحيح من حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله ( في صدر النهار فجاءَه قوم حفاة عراة مجتابي النِّمار ـ أو العباء ـ متقلدي السيوف، عامتهم مضر ـ بل كلهم من مضر، فتعمر وجه رسول الله ( لما رآهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذَّن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: {يَا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَفَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ}(1) الآية، والآية التي في سورة الحشر: {اتَّقُوا الله ولْتَنْظُر نَفْسٌ مَا قَدَّمتْ لِغَدٍ}(2) تصدق رجل من ديناره، من